أعلنت وكالة الطاقة الدولية الأربعاء عن أكبر إطلاق طارئ منسق للاحتياطيات النفطية الاستراتيجية في تاريخها، إذ جنّدت 400 مليون برميل من مخزونات الدول الصناعية الكبيرة الأعضاء، في محاولة لاحتواء أزمة إمدادات نفطية ضربت أسواق الطاقة العالمية منذ شنّت الولايات المتحدة وإسرائيل عمليات عسكرية ضد إيران في 28 فبراير.
يُعدّ هذا القرار المرة السادسة في تاريخ الوكالة منذ تأسيسها عام 1974، إثر الحظر النفطي العربي، التي تُفعّل فيها آلية الاستجابة الطارئة. وكان الرقم القياسي السابق 182 مليون برميل أُطلقت عام 2022 إثر الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا. يتجاوز الإعلان الأخير ذلك الرقم بأكثر من الضعف.
الدافع وراء هذا القرار هو الإغلاق شبه التام لمضيق هرمز — الممر الضيق الفاصل بين إيران وعُمان، الذي كان يمر عبره نحو 20 مليون برميل يومياً من الخام والمنتجات النفطية عام 2025، أي ما يعادل نحو 20% من الاستهلاك العالمي للنفط. ومنذ أواخر فبراير، انهار حجم الحركة التجارية عبر الممر إلى ما يقارب الصفر، إذ رفض أصحاب السفن المجازفة بأرواح طواقمهم وهياكل سفنهم في مواجهة ضربات المسيّرات والصواريخ الإيرانية.
ارتفع خام برنت، المرجع الدولي للأسعار، بأكثر من 25% في الأيام التالية لاندلاع النزاع، ليلامس 119 دولاراً للبرميل لفترة وجيزة، وهو أعلى مستوى منذ أزمة الطاقة عام 2022، قبل أن يتراجع. وفي أعقاب إعلان وكالة الطاقة الدولية، كان برنت لا يزال يتداول فوق 90 دولاراً، أي بارتفاع يناهز 23% عن مستوى 73 دولاراً الذي سجّله قبيل اندلاع الحرب.
كم يوماً يكفي 400 مليون برميل؟ وماهي المدة اللازمة لوصول الاحتياط الى السوق؟
أقرّ فاتح بيرول، المدير التنفيذي لوكالة الطاقة الدولية، بالسقف الزمني الذي تصطدم به فعالية الاحتياطيات. وقال في باريس: “إن أهم شيء لاستعادة التدفقات المستقرة للنفط والغاز هو استئناف العبور عبر مضيق هرمز”.
عملية حسابية بسيطة تكشف محدودية هذا الإطلاق. إذ كان مضيق هرمز يستوعب في المتوسط نحو 20 مليون برميل يومياً عام 2025، ما يعني أن كامل الكمية المُطلقة البالغة 400 مليون برميل لن تغطي سوى نحو 20 يوماً من التدفقات المعتادة عبر هرمز — وهذا بافتراض وصول النفط إلى الأسواق بوتيرة تضاهي حجم الاضطراب، وهو أمر متعذر في في الواقع.
يمكن لاحتياطي النفط الاستراتيجي الأمريكي أن يُستخرج بمعدل أقصاه نحو 4.4 مليون برميل يومياً، غير أن تحقيق ذلك المعدل واستدامته يستلزم وقتاً، فضلاً عن ضرورة نقل النفط بعدها عبر خطوط أنابيب إلى المصافي قبل دخوله السوق التجارية. ويتوقع معظم المحللين على أرض الواقع ألا تصل كميات كبيرة إلى الأسواق قبل مضي أسبوعين إلى أربعة أسابيع على قرار الإطلاق.
حجم المخزون العالمي للنفط و كيف يتجدد
تحتفظ حكومات الدول الأعضاء في وكالة الطاقة الدولية بما يزيد على 1.2 مليار برميل من الاحتياطيات الطارئة العامة، يُضاف إليها نحو 600 مليون برميل من المخزونات الصناعية المحتجزة بموجب التزامات حكومية، ليبلغ إجمالي الاحتياطي المتاح نحو 1.8 مليار برميل. ويمثّل الإطلاق البالغ 400 مليون برميل ما يعادل 22% تقريباً من هذا المخزون المشترك.
ويُعدّ الاحتياطي النفطي الاستراتيجي الأمريكي، المخزَن في كهوف ملحية جوفية على امتداد ساحل الخليج بتكساس ولويزيانا، أكبر احتياطي حكومي في العالم ويقف اليوم، أي قبل الإطلاق، عند نحو 415 مليون برميل — ما يعادل 58% من طاقته الاستيعابية البالغة 715 مليون برميل. وتقوم الحكومة بإعادة تجديده حين تسمح أوضاع السوق أي عندما ينخفض سعر الخام، مما يفترض انتظار تسوية للنزاع واستعادة التدفقات الطبيعية عبر الخليج.
طرق الالتفاف على هرمز.. وحدودها
أجبرت الأزمة على إعادة هيكلة لتدفقات صادرات النفط الخليجية وتتمحور هذه الإعادة حول خط الأنابيب السعودي العابر من الشرق الى غرب السعودي الذي شُيّد في الثمانينات، خلال الحرب العراقية الإيرانية التي تخللتها هجمات على ناقلات النفط، ويربط الحقول النفطية الشرقية الرئيسية عند أبقيق بميناء ينبع على البحر الأحمر.
ووفقاً لبيانات وكالة الطاقة الدولية، كان الخط يحمل نحو 2 مليون برميل يومياً قبيل الأزمة، مما يُتيح طاقة إضافية تتراوح بين 3 و5 ملايين برميل يومياً قد بدء بالعمل فيها. وتمتلك الإمارات خط أنابيب يصل حقول أبو ظبي بميناء الفجيرة على بحر عُمان، لكن طاقته محدودة بمليون برميل ونصف كما انه أكثر عرضة لهجمات الصواريخ والمسيرات الإيرانية من الأنبوب السعودي، بحكم قربه من إيران.
130 دولار للبرميل أو أكثر: سيناريوهات التصعيد
يهدف قرار إطلاق 400 مليون برميل للتعامل مع اضطراب ويُرجى أن يكون قصيراً. غير أن ثلاثة سيناريوهات للتصعيد قد تُسرّع استنفاده مما قد يدفع بأسعار النفط الى 130 دولار للبرميل.. أو أكثر.
السيناريو الأول — هرمز مغلق لأكثر من 30 يوماً
لن يكفي الإطلاق البالغ 400 مليون برميل إلا لتغطية نحو 26 يوماً من الفجوة في الامدادات. إن ظل مضيق هرمز مغلقاً فعلياً لأكثر من شهر، سيبلغ صافي النقص في الامدادات نحو 15 مليون برميل يومياً — بعد احتساب طريق الالتفاف عبر خط الأنابيب السعودي — مما يفتح احتمال ارتفاع خام برنت الى 130 دولاراً للبرميل، بحسب “جيه بي مورغان”.
السيناريو الثاني — هجمات الحوثيين على الناقلات في البحر الأحمر
طريق الالتفاف عبر البحر الأحمر من ينبع السعودية إلى المشترين الآسيويين يضطر إلى اجتياز مضيق باب المندب — الممر بين اليمن وجيبوتي — الذي حوّله الحوثيون، وهم حلفاء إيران، إلى منطقة نزاع في أعقاب الحرب الإسرائيلية على غزة أواخر عام 2023. لم ينخرط الحوثيون الى الآن في الحرب، ولكن أي قرار من هذا النوع ستكون له العواقب خطيرة على الملاحة وستدفع بأسعار النفط الى مستويات عالية.
السيناريو الثالث — ضربات على حقول ومنشآت النفط
من أشد مسارات التصعيد خطورة هو تكثيف إيران لهجماتها على البنية التحتية النفطية السعودية والخليجية أو خط أنابيب الشرق-غرب نفسه. وقد سبق لإيران أن استهدفت منشآت الطاقة الخليجية بالهجوم على مصفاة رأس تنورة في السعودية وبضرب مصفاة الرويس في أبو ظبي ومصفاة بابكو في البحرين ومحاولة ضرب حقل الشيبة السعودي.
تداعيات بعيدة المدى: هل تُعجّل هذه الأزمة بالتحول في مجال الطاقة؟
أثارت كل أزمة نفطية كبرى تساؤلات حول ما إذا كانت ستنهي اعتماد العالم على الوقود الأحفوري. وقد أفرز حظر 1973 وكالة الطاقة الدولية ذاتها، ودفع بفرنسا واليابان نحو الموجة الأولى من الاستثمار النووي، وحفّز أبحاث الطاقة المتجددة في بدايتها. وأسرعت الحرب الروسية-الأوكرانية عام 2022 تنفيذ مشاريع الطاقة المتجددة في أوروبا.
ومن المرجح أن تعطي هذه الأزمة دفعة جديدة للطاقة المتجددة والنووية وحتى استعمال الفحم الحجري بالرغم من أثره البيئي السيء، إذ تفضل الدول الطاقة التي يمكنها التحكم بها محلياً وإنشاء بنية تحتية أقل اعتماداً على تدفقات نفط الخليج بصرف النظر عن السياسة المناخية.
إلا أن مشاريع التحول هذه تبقى مكلفة جداً وعودة البترول الرخيص، في حال انفراج الأزمة، قد يجعلهم في بعض الأحيان يعيدون النظر فيها.








