يعني اعتماد اليابان الكبير على النفط المستورد أن تقلبات أسعار الخام تنعكس سريعاً على عملتها وميزانها التجاري. ومع ارتفاع كلفة الطاقة بفعل حرب الشرق الأوسط وتهديدها للاقتصاد العالمي، ألمحت الحكومة إلى احتمال التدخل في سوق النفط في مسعى غير مباشر، لدعم الين المتراجع.
اللجوء إلى تداول عقود النفط الآجلة لدعم العملة سيكون خطوة غير مألوفة بالنسبة لليابان، في أحدث خطوة لها لتنويع أساليب التدخل وإبقاء المضاربين في حالة ترقب.
ورغم أن الحكومات نادراً ما تتدخل مباشرة في أسواق مشتقات الطاقة، أعربت وزيرة المالية ساتسوكي كاتاياما عن قلقها من أن المضاربات في هذه العقود باتت تؤثر في سوق الصرف، مشيرة إلى استعداد الحكومة لاتخاذ “كل الإجراءات الممكنة، وعلى جميع الجبهات”.
كيف تضغط أسعار النفط على الين؟
تعتمد اليابان بشكل شبه كامل على واردات النفط لتلبية احتياجاتها، ويأتي أكثر من 90% منها عادةً من الشرق الأوسط. ومع تعطل الإمدادات من الخليج العربي وارتفاع أسعار الخام القياسية منذ أواخر فبراير، قفزت تكاليف الوقود والكهرباء والغذاء. وقد دفع خطر تضرر الاقتصاد الحكومة إلى بدء السحب من احتياطياتها الوطنية، مع خطط للإفراج عن 80 مليون برميل من النفط.
ارتفاع كلفة الطاقة يعني حاجة أكبر إلى الدولار لتمويل الواردات، ما يضغط على الين ويغذي التضخم. وفي الأجل القصير، تضخّم رهانات المضاربين على اتجاه النفط والعملة تقلبات السوق. وإذا نجحت طوكيو في كبح أسعار الخام، قد تخفّ حدة الضغط على الين عبر تقليص هذه المضاربات. فمنذ اندلاع حرب إيران، تراجع الين بشكل حاد أمام الدولار.
يرى مؤيدو التدخل الحكومي أن الحجم الهائل لما يُعرف بـ”سوق النفط الورقي” (أي تداول العقود الآجلة والمشتقات التي تفوق بكثير حجم الإمدادات الفعلية) قد تجعل هذا التحرك فعّالاً، حتى لو كان تأثيره غير مباشر.
كيف قد يتم التدخل في سوق النفط؟
يمكن للحكومة دخول السوق بعدة طرق، لكن التحدي يكمن في اختيار نهج يحقق أكبر تأثير بأقل كلفة ممكنة. أحد السيناريوهات يقوم على البيع على المكشوف لعقود النفط الآجلة للضغط على الأسعار القياسية، ثم إغلاق هذه المراكز تدريجياً بمرور الوقت.
يمكن أيضاً فرض حدود على المراكز لتقييد حجم التداول في شهر تعاقد واحد، ما يمنع تركز العمليات ويتيح توزيع التدخل على مختلف آجال العقود ضمن منحنى الأسعار.
من المرجح تنفيذ هذه التحركات عبر مؤسسات مالية، على غرار تدخلات سوق الصرف. وبحسب أشخاص مطلعين، تواصلت وزارة المالية مع بنوك كبرى في طوكيو لديها أنشطة في تداول النفط، لاستطلاع آرائها بشأن إمكانية التدخل في عقود الخام الآجلة.
حجم التدخل المحتمل في سوق النفط لم يُحسم بعد، لكن من المرجح أن يكون أقل بكثير من التدخلات الحكومية المتعلقة بالعملة، نظراً للطابع التجريبي لهذه الخطوة وضخامة سوق الدولار مقابل الين. ففي أبريل 2024، أنفقت اليابان نحو 5.9 تريليون ين (37 مليار دولار) في عملية واحدة، ما ساهم في تحريك سعر الصرف بأكثر من 5 ينات، في أكبر تدخل لدعم العملة على الإطلاق. لكن المجازفة بمبلغ مماثل في نهج غير مجرّب فتبدو مستبعدة.
كذلك، لا يزال توقيت التدخل غير واضح. فطالما لم ترتفع أسعار النفط بشكل حاد يتجاوز المستويات الحالية، قد تبقى دوافع التحرك محدودة. ولم يتجاوز الين مستوى 160 يناً مقابل الدولار |(وهو الحد التقريبي الذي استدعى تدخلات 2024) حتى عندما اقترب سعر الخام من 120 دولاراً للبرميل في مارس.
هل سبق أن تدخلت دول في سوق تداول النفط؟
نادراً ما تتدخل الدول في تداول النفط لأغراض الاقتصاد الكلي. فالمكسيك تعتمد برنامج تحوّط سيادياً يُعرف بـ”تحوّط هاسييندا” (hacienda hedge)، يستخدم المشتقات لحماية الإيرادات الحكومية عند هبوط الأسعار، لا إلى التأثير في السوق. كما تلجأ شركة “بتروليام ناسيونال” (Petronas) الماليزية، المملوكة للدولة، إلى أدوات تحوّط مالية، بما في ذلك خيارات النفط، لحماية عوائدها من تقلبات أسعار الخام.
أما محاولة التأثير في أسعار النفط -وبالتالي في العملة- فهي أكثر تعقيداً.
درست الولايات المتحدة خيار التداول في سوق العقود الآجلة للنفط كوسيلة لكبح ارتفاع أسعار الطاقة في ظل حرب إيران، لكن يبدو أن إدارة ترمب استبعدت هذا الخيار. وقال وزير الخزانة سكوت بيسنت في منتصف مارس: “لن نقوم بذلك على الإطلاق”.
ما المخاطر التي تواجه اليابان؟
في كثير من الأحيان، يكفي مجرد التلويح بالتدخل لدعم الين. فقد تراهن السلطات على التأثير في سلوك المضاربين عبر التحذيرات اللفظية والتواصل مع المتعاملين وطرح أفكار جديدة.
لكن الإقدام على تدخل فعلي في سوق النفط سيجري في بيئة عالية التقلب بفعل حرب الشرق الأوسط. فالمراهنة على هبوط الأسعار قد تفضي إلى خسائر كبيرة إذا واصل الخام صعوده، وقد لا ينعكس ذلك بوضوح على الين، ما يضع مصداقية الحكومة على المحك. كما أن أي خسائر تداولية ستزيد من الضغوط على الاقتصاد، المثقل أساساً بارتفاع كلفة الواردات.
يتبنى بعض المحللين موقفاً متحفظاً حيال احتمال إقدام اليابان على هذه الخطوة. إذ يرى جونيا تاناسي، كبير استراتيجيي العملات في “جي بي مورغان تشيس”، أن فرص التدخل في عقود النفط الآجلة “منخفضة للغاية، على الأقل في الأجل القريب”.







