لم تعد تطبيقات الاستثمار في السوق المصري، مجرد أدوات رقمية لتنفيذ عمليات شراء وبيع الأسهم أو وثائق الصناديق، بل تحولت تدريجيًا إلى منصات تعيد تشكيل سلوك الادخار والاستثمار لدى شريحة واسعة من المصريين، خاصة الشباب، في ظل تصاعد الاعتماد على الهواتف الذكية وسهولة الوصول إلى المنتجات المالية بضغطة زر.
ومع هذا التحول المتسارع، دخلت صناديق الاستثمار مرحلة جديدة من التدقيق والجدل، ليس فقط حول العوائد والأداء، ولكن بشأن طبيعة المعلومات التي يحصل عليها المستثمر عبر التطبيقات، وحدود الإفصاح المطلوبة، ومدى قدرة المستخدم العادي على فهم المخاطر الحقيقية للأدوات المالية التي يستثمر بها.
فالمنصات الرقمية التي نجحت في جذب مئات الآلاف من المستثمرين الجدد إلى سوق المال، باتت اليوم تواجه اختبارًا مختلفًا يتعلق بمدى التوازن بين “سهولة الاستثمار” و”كفاية المعرفة”، خاصة مع التوسع الكبير في طرح صناديق سوق النقد والمعادن النفيسة وصناديق الأسهم عبر التطبيقات.
يأتي ذلك في وقت تشهد فيه صناعة إدارة الأصول في مصر طفرة واضحة، مدفوعة بالنمو الكبير في أعداد المستثمرين الأفراد واتجاه المؤسسات المالية إلى إطلاق منتجات جديدة تناسب شرائح متنوعة من العملاء.
وكشفت الهيئة العامة للرقابة المالية، في وقت سابق، عن ارتفاع قيمة صافي أصول صناديق الاستثمار العاملة بالسوق المصري إلى نحو 410.6 مليار جنيه بنهاية مارس 2026، مقابل 316 مليار جنيه بنهاية ديسمبر 2025، بما يعكس تنامي جاذبية الصناديق كأحد أهم الأوعية الادخارية والاستثمارية في السوق.
كما ارتفع عدد صناديق الاستثمار إلى 187 صندوقًا بنهاية الربع الأول من العام الجاري، مقارنة بـ172 صندوقًا بنهاية 2025، في مؤشر واضح على اتساع نشاط إدارة الأصول وزيادة المنافسة بين المؤسسات المالية لتقديم أدوات استثمارية أكثر تنوعًا.
حمودة: “ثاندر” تعمل كوسيط يربط المستثمرين بالأدوات المرخصة
قال أحمد حمودة، الشريك المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة «ثاندر»، إن المنصة تعمل كوسيط استثماري مرخص من الهيئة العامة للرقابة المالية، وتركز على إتاحة الوصول إلى أدوات ومنتجات استثمارية منظمة وآمنة، في إطار دعم الشمول المالي وزيادة مشاركة الأفراد في الاستثمار.
وأوضح أن «ثاندر» لا تدير أموال العملاء بشكل مباشر، وإنما تعمل كبنية تكنولوجية تربط المستثمرين بالأدوات الاستثمارية المرخصة، مؤكدًا أن المستثمر يتم تسجيله رسميًا كمساهم عند شراء الأسهم أو كحامل وثائق عند الاستثمار في الصناديق.
أضاف أن الأموال غير المستثمرة يتم الاحتفاظ بها داخل حسابات مستقلة لدى البنوك ومنفصلة عن أموال الشركة، بما يضمن حماية حقوق العملاء والتزام المنصة بالمعايير الرقابية والتنظيمية.
وأشار حمودة إلى أن صناديق سوق النقد المتاحة عبر التطبيق تستثمر بشكل رئيسي في أدوات الدين الحكومي وأذون الخزانة، وهي من أكثر الأدوات استقرارًا في السوق المصرية، موضحًا أن البنوك نفسها تعتمد على هذه الأدوات ضمن محافظها الاستثمارية.
وأكد أن القيمة الأساسية التي تقدمها التطبيقات الرقمية لا تتمثل فقط في المنتج المالي، وإنما في “سهولة الوصول”، لافتًا إلى أن ما قامت به «ثاندر» هو إتاحة هذه المنتجات لشريحة أوسع من المصريين عبر تجربة استخدام رقمية مبسطة.
وأوضح أن المنصة نفذت أكثر من 200 ألف عملية تداول خلال الشهر الماضي بقيمة تجاوزت 56 مليار جنيه، فيما يمثل المستثمرون الجدد نحو 80% من مستخدمي التطبيق، وهو ما يعكس حجم التحول الجاري في سلوك المستثمر المصري.
حامد: القضية لم تعد مرتبطة بتوفير المعلومات بل تمتد لطريقة عرضها
وقالت راندا حامد، العضو المنتدب لشركة عكاظ لتكوين وإدارة محافظ الأوراق المالية، إن هناك حاجة متزايدة لتعزيز مستويات الإفصاح داخل صناديق الاستثمار المطروحة عبر التطبيقات الرقمية، بما يضمن حصول المستثمر على صورة أوضح حول طبيعة الصندوق ومكوناته وآليات عمله قبل اتخاذ قرار الاستثمار.
وأوضحت أن بعض التطبيقات تركز بصورة أكبر على عرض الأداء والعائد دون تقديم تفاصيل كافية بشأن السياسة الاستثمارية أو مكونات المحفظة، وهو ما قد يحد من قدرة المستثمر على تقييم المخاطر بشكل دقيق.
وأضافت حامد، أن إتاحة نشرات الاكتتاب وشروط الاستثمار بصورة واضحة ومنظمة داخل التطبيقات يجب أن تصبح جزءًا أساسيًا من تجربة الاستخدام، بما يعزز مبادئ الشفافية وحماية المستثمرين.
وأشارت إلى وجود اتجاه متزايد داخل مجتمع إدارة الأصول نحو رفع مستويات الإفصاح، سواء من خلال تطوير آليات عرض المعلومات أو تبسيط اللغة المستخدمة في نشرات الصناديق، حتى تصبح أكثر قابلية للفهم بالنسبة للمستثمرين الأفراد.
وأكدت حامد أن القضية لم تعد مرتبطة فقط بتوفير المعلومات، وإنما بطريقة عرضها ومدى قدرة المستخدم على استيعابها، خاصة أن التطبيقات الرقمية جذبت شريحة واسعة من الشباب الذين يدخلون عالم الاستثمار لأول مرة.
وأضافت أن نجاح المنظومة يتطلب رفع مستويات الوعي المالي بالتوازي مع التوسع التكنولوجي، لأن سهولة الاستثمار لا تعني بالضرورة فهم طبيعة المخاطر أو تقييم العوائد بصورة صحيحة.
ولفتت إلى أن السوق يشهد تحولًا واضحًا في طبيعة المستثمرين، حيث لا تزال شريحة الباحثين عن العائد الثابت تتجه نحو الودائع والأدوات الادخارية التقليدية، بينما تتزايد شهية الشباب نحو الاستثمار عبر التطبيقات والصناديق الرقمية.
البنا: التوسع في المنتجات المالية يدعم عمق السوق والشمول المالي
وقال حاتم البنا، العضو المنتدب لشركة «زالدي للاستثمارات»، إن تطبيقات الاستثمار توفر بالفعل قدرًا مناسبًا من الإفصاح والشفافية فيما يتعلق بصناديق الاستثمار، مشيرًا إلى أن المستثمر يمكنه الاطلاع على السياسة الاستثمارية وهيكل الأصول داخل كل صندوق قبل اتخاذ قرار الشراء.
وأوضح أن التطبيقات تعرض تفاصيل تتعلق بالأوزان النسبية للأصول داخل المحافظ الاستثمارية، بما يشمل أذون الخزانة والودائع والاستثمارات في الأسهم، إلى جانب الحدود القصوى المسموح بها لكل فئة استثمارية.
أضاف أن المطالبة بمزيد من الإفصاح أمر مشروع، لكنه لا يعني غياب الشفافية حاليًا، مؤكدًا أن السوق يخضع بالفعل لإطار رقابي وتنظيمي يفرض إتاحة المعلومات الأساسية للمستثمرين.
وأشار البنا إلى أن المرحلة المقبلة يجب أن تركز بصورة أكبر على تطوير تجربة المستخدم وتعزيز الثقافة المالية، بدلًا من الاكتفاء بالنقاش حول الإفصاح فقط، خاصة أن التوسع في المنتجات المالية يمثل اتجاهًا صحيًا يدعم عمق السوق والشمول المالي.
وأوضح أن تنوع الأدوات الاستثمارية يتيح للمستثمرين فرصًا أكبر لبناء محافظ متنوعة تتناسب مع مستويات المخاطر المختلفة، مؤكدًا أن وجود أدوات منخفضة المخاطر إلى جانب أدوات ذات عوائد أعلى يعد أمرًا ضروريًا لتحقيق التوازن داخل السوق.
وأضاف أن مفهوم المخاطرة لا يجب التعامل معه باعتباره عنصرًا سلبيًا، وإنما باعتباره جزءًا طبيعيًا من عملية الاستثمار، يرتبط بقدرة المستثمر على فهم طبيعة الأداة التي يختارها.
واستحوذ الأفراد على النسبة الأكبر من ملكية وثائق الصناديق بنسبة بلغت 74.34%، مقابل 15.98% للأشخاص الاعتبارية من الشركات والمؤسسات، وهو ما يعكس تصاعد دور المستثمر الفرد داخل سوق إدارة الأصول.
حسن: الإفصاح الفوري عن جميع تحركات الصناديق .. غير عملي
من جانبه، قال محمد حسن، العضو المنتدب لشركة ألفا لإدارة الاستثمارات المالية، إن صناديق الاستثمار توفر بالفعل معلومات تفصيلية للمستثمرين عبر نشرات الاكتتاب، تشمل السياسات الاستثمارية وطبيعة الأصول ومستويات المخاطر.
لكنه أوضح أن الإفصاح الكامل والفوري عن جميع تحركات الصناديق غير عملي، نظرًا لأن المراكز الاستثمارية تتغير باستمرار، فضلًا عن ضرورة الحفاظ على سرية استراتيجيات مديري الاستثمار.
وأشار إلى أن بعض التطبيقات بدأت بالفعل في تقديم معلومات إضافية بصورة مبسطة لمساعدة المستثمرين على فهم طبيعة الصناديق، وهو اتجاه قد يتوسع خلال الفترة المقبلة مع زيادة المنافسة بين المنصات الرقمية.
وأكد حسن أن ارتفاع أسعار الفائدة لم يحد من نمو صناديق الاستثمار، موضحًا أن بعض الشهادات الادخارية لم تحقق عائدًا حقيقيًا في ظل معدلات التضخم المرتفعة، وهو ما دفع شريحة من المستثمرين للبحث عن بدائل استثمارية أكثر تنوعًا.






