رغم استمرار التوترات الجيوسياسية التي تخيم على منطقة الشرق الأوسط، لم تتراجع شركات القطاع المالى غير المصرفى المصرية عن خططها التوسعية خارج الحدود، بل واصلت تنفيذ استراتيجيات التوسع الإقليمي مستفيدة من النمو المتسارع الذي يشهده نشاط التمويل الاستهلاكي والتكنولوجيا المالية، إلى جانب بحثها عن أسواق جديدة قادرة على استيعاب نماذج الأعمال التي نجحت في السوق المصرية خلال السنوات الماضية.
وباتت شركات التمويل والتكنولوجيا المالية، ترى في التوسع الخارجي خطوة استراتيجية ضرورية للحفاظ على معدلات النمو المرتفعة، وتنويع مصادر الإيرادات، وتقليل الاعتماد على السوق المحلي فقط، خاصة مع اشتداد المنافسة داخل السوق المصرية وارتفاع تكلفة التمويل محليًا مقارنة ببعض الأسواق العربية المجاورة.
وفي الوقت الذي تلقي فيه الأوضاع الجيوسياسية بظلالها على قرارات الاستثمار في المنطقة، فضلت شركات كبرى المضي قدمًا في خططها الإقليمية، وعلى رأسها شركة «ڤاليو» التي بدأت نشاطها فعليًا في السوق الأردني، إلى جانب استمرار شركة «فوري» في استكمال ترتيبات دخول السوقين السعودي والإماراتي عبر شراكات وتحالفات محلية.
صبرى: «فورى» مستمرة فى إجراءات دخول سوقي السعودية والإمارات
قال أشرف صبري، المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة فوري لتكنولوجيا البنوك والمدفوعات الإلكترونية، إن التوترات الجيوسياسية الحالية لم تؤثر على خطط الشركة التوسعية في المنطقة، موضحًا أن «فوري» مستمرة في إجراءات دخول أسواق المملكة العربية السعودية والإمارات.
وأضاف أن الشركة تعمل على بناء شراكات مع مشغلين محليين في كلا السوقين، بما يسمح بتقديم خدماتها وفق طبيعة كل سوق ومتطلباته التنظيمية، لافتًا إلى أن «فوري» تستهدف الحصول على حصص حاكمة في الشركات التي سيتم تأسيسها هناك، بما يمنحها قدرة أكبر على إدارة العمليات والتوسع.
ويعكس تحرك «فوري» توجهًا واضحًا لدى شركات التكنولوجيا المالية المصرية نحو التوسع الإقليمي، مستفيدة من الخبرات التشغيلية التي اكتسبتها داخل السوق المحلي، والتي شهدت طفرة كبيرة في المدفوعات الرقمية والخدمات المالية الإلكترونية خلال السنوات الأخيرة.
حسونة: “ڤاليو” تستهدف ضخ 5 ملايين دولار تمويلات في السوق الأردنى
وقال وليد حسونة، الرئيس التنفيذي لشركة «ڤاليو»، إن الشركة تستهدف ضخ تمويلات تتراوح بين 3 و5 ملايين دولار في السوق الأردني خلال العام الحالي، على أن تبدأ بنشاط التمويل الاستهلاكي قبل التوسع لاحقًا في أنشطة أخرى.
وأوضح أن الشركة تخطط لإطلاق نشاط تمويل المشروعات الصغيرة والمتوسطة في الأردن خلال عام 2027، عقب الانتهاء من بناء شبكة قوية من التجار والشركاء، بما يدعم انتشار الخدمة وزيادة قاعدة العملاء.
أشار حسونة، إلى أن الشركة تستهدف كذلك إطلاق نشاط تمويل المشروعات الصغيرة والمتوسطة في السوق المصرية خلال الربع الثالث من العام الحالي، فور الحصول على الرخصة والموافقة النهائية من الهيئة العامة للرقابة المالية، في إطار خطة تستهدف تنويع الخدمات المالية المقدمة للعملاء.
ويأتي هذا التوسع في وقت يشهد فيه نشاط التمويل الاستهلاكي نموًا قويًا داخل السوق المصرية، مدفوعًا بزيادة الطلب على التمويل بالتقسيط نتيجة ارتفاع الأسعار والتضخم، إلى جانب توسع الشركات في استخدام الحلول الرقمية والتطبيقات الإلكترونية لتقديم الخدمات التمويلية بصورة أسرع وأكثر مرونة.
الفقي: انخفاض تكلفة التمويل إقليميًا يمنح الشركات المصرية ميزة تنافسية
وقال محمد الفقي، الشريك المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة «سيمبل» لخدمات الشراء الآن والدفع الآجل، إن شركات التمويل الاستهلاكي المصرية تمتلك ميزة تنافسية واضحة تؤهلها للتوسع في الأسواق الإقليمية، خاصة مع انخفاض تكلفة التمويل في بعض الدول المجاورة مقارنة بالسوق المحلي.
وأوضح أن الشركات المصرية استطاعت خلال السنوات الماضية تطوير نماذج تشغيلية قوية داخل سوق يتسم بارتفاع معدلات التضخم وأسعار الفائدة، ما أكسبها خبرات كبيرة في إدارة المخاطر والائتمان والتحصيل، وهي خبرات يمكن نقلها بسهولة إلى أسواق عربية مشابهة.
أضاف الفقي أن دمج الخبرة التشغيلية المصرية مع انخفاض تكلفة الأموال أو وفرة السيولة في بعض الأسواق الإقليمية يخلق نموذج أعمال أكثر كفاءة وربحية، موضحًا أن الشركات المصرية قادرة على تحقيق هوامش ربح جيدة عند التوسع الخارجي إذا تمت إدارة العمليات بكفاءة.
وأشار إلى أن الأسواق العربية تمثل الوجهة الأنسب حاليًا للتوسع الخارجي، نظرًا للتقارب الثقافي والديموغرافي واللغوي، بما يسهل عمليات التسويق وتقديم المنتجات التمويلية دون الحاجة إلى تعديلات جذرية في نموذج العمل.
أكد الفقي، أن الفروقات في أسعار الفائدة بين السوق المحلية والأسواق الخارجية لا تمثل عائقًا كبيرًا أمام خطط التوسع، خاصة أن العائدات المحققة داخل السوق المصرية مرتفعة نسبيًا، وهو ما يسمح للشركات بتحقيق عوائد جيدة حتى مع اختلاف تكاليف التمويل.
وأوضح أن قرارات التوسع خلال فترات التوترات الجيوسياسية تختلف من شركة لأخرى وفقًا لقوة مراكزها المالية واستراتيجياتها التوسعية، لافتًا إلى أن بعض الشركات قد ترى في هذه الفترات فرصًا للدخول إلى أسواق جديدة بتكلفة أقل، بينما تتجنب شركات أخرى التوسع بسبب ارتفاع مستويات المخاطر.
وتابع:” التوسع الخارجي لم يعد مجرد خيار إضافي أمام الشركات الكبرى، بل أصبح ضرورة للحفاظ على معدلات النمو، خاصة في ظل زيادة المنافسة المحلية ووصول بعض الشركات إلى مراحل متقدمة من التشبع داخل السوق المصري”.
وتعكس مؤشرات القطاع حجم النمو الكبير الذي يشهده نشاط التمويل الاستهلاكي في مصر، إذ سجل إجمالي التمويلات الممنوحة خلال عام 2025 نحو 87.2 مليار جنيه، مقارنة بنحو 55.1 مليار جنيه خلال عام 2024، بمعدل نمو بلغ 58.4%.
كما بلغ إجمالي قيمة التمويل الاستهلاكي بنهاية يناير الماضي نحو 8.5 مليار جنيه، مقارنة بـ5.5 مليار جنيه خلال الفترة نفسها من العام السابق، فيما ارتفع عدد العملاء إلى نحو 1.2 مليون عميل مقابل 761 ألف عميل، وهو ما يعكس اتساع قاعدة المستفيدين من الخدمات التمويلية.
وقال إسلام عبدالعاطي، رئيس الجمعية المصرية لدراسات التمويل والاستثمار، إن نشاط التمويل الاستهلاكي في مصر شهد طفرة كبيرة خلال السنوات الأخيرة، مدفوعًا بالتغيرات الاقتصادية وارتفاع معدلات التضخم وزيادة أسعار السلع والخدمات.
وأوضح أن شريحة واسعة من المواطنين أصبحت تعتمد بشكل متزايد على نظم التقسيط والتمويل لتغطية احتياجاتها المختلفة، سواء لشراء السلع المعمرة أو الخدمات التعليمية والطبية وغيرها، وهو ما عزز من معدلات نمو القطاع بصورة ملحوظة.
أضاف عبدالعاطي، أن شركات التمويل الاستهلاكي نجحت في التوسع السريع بفضل الاعتماد على التكنولوجيا المالية، إذ أصبح بإمكان العملاء الحصول على التمويل إلكترونيًا خلال وقت قصير عبر التطبيقات والمنصات الرقمية، مع الاعتماد على خدمات الاستعلام الائتماني وبيانات «iScore» لتقييم العملاء وتقليل المخاطر.
وأشار إلى أن التكنولوجيا المالية لعبت دورًا رئيسيًا في خفض تكلفة التشغيل وتسريع إجراءات منح التمويل، بما ساهم في زيادة قاعدة العملاء وتحسين كفاءة الشركات العاملة بالقطاع.
أكد عبدالعاطي، أن توجه بعض الشركات للتوسع الخارجي يأتي أيضًا في إطار تنويع المخاطر وعدم الاعتماد الكامل على السوق المحلية، خاصة في ظل التقلبات الاقتصادية وتغيرات أسعار الفائدة ومعدلات التضخم.
وتوقع أن يشهد القطاع خلال الفترة المقبلة مزيدًا من التنظيم والرقابة مع استمرار اتساع النشاط وزيادة عدد الشركات العاملة، موضحًا أن الجهات التنظيمية قد تتجه إلى وضع قواعد أكثر دقة تتعلق بالسيولة ونسب التمويل والاحتياطيات، إلى جانب تعزيز الربط بين شركات التمويل وقواعد بيانات الاستعلام الائتماني.
أضاف أن تطور اللوائح التنظيمية يعد أمرًا طبيعيًا مع نمو أي نشاط مالي، مشيرًا إلى أن اتساع السوق وظهور نماذج أعمال جديدة يفرضان تحديث القواعد الرقابية بصورة مستمرة للحفاظ على استقرار القطاع وتقليل المخاطر.
أمين: التمويل الاستهلاكي أصبح جزءًا أساسيًا من ثقافة الاستهلاك عالميًا
من جانبه، قال مصطفى أمين، المحلل المالي والاقتصادي بشركة «برايم القابضة للاستثمارات المالية»، إن نشاط التمويل الاستهلاكي أصبح جزءًا أساسيًا من ثقافة الاستهلاك عالميًا، في ظل اعتماد الأفراد المتزايد عليه لتلبية احتياجاتهم الشرائية والخدمية.
وأوضح أن ارتفاع معدلات التضخم عالميًا منذ الحرب الروسية الأوكرانية، إلى جانب تداعيات جائحة كورونا، دفع المستهلكين إلى الاعتماد بصورة أكبر على التمويل الاستهلاكي لتجنب الارتفاعات المستقبلية في الأسعار.
أضاف أمين أن نشاط التمويل الاستهلاكي لم يعد يقتصر على تمويل السلع فقط، بل امتد إلى الخدمات التعليمية ومصاريف الجامعات والكورسات التدريبية والخدمات الصحية، بما يعكس اتساع قاعدة الاستخدام وتنوع المنتجات التمويلية المقدمة.
وأشار إلى أن السوق المصرية تشهد توسعًا كبيرًا في هذا النشاط، سواء من خلال زيادة رؤوس أموال الشركات القائمة أو اتجاه شركات التأجير التمويلي للحصول على رخص التمويل الاستهلاكي، فضلًا عن توسع البنوك في عقد شراكات مع شركات القطاع لتقديم حلول تمويلية متنوعة.
أكد أمين، أن شركات التمويل الاستهلاكي تمتلك مرونة أكبر من البنوك في الوصول إلى شرائح واسعة من العملاء، من خلال الانتشار داخل المولات والسلاسل التجارية والمحلات الكبرى، إلى جانب تطوير أدوات تمويلية متنوعة تشمل البطاقات الائتمانية وبرامج التقسيط المختلفة.
وأضاف أن هذا النمو يدعم معدلات الاستهلاك المحلي والنشاط الاقتصادي بصورة عامة، خاصة مع ارتفاع الطلب على السلع والخدمات داخل السوق المصري.
أشار أمين، إلى أن قطاع التمويل الاستهلاكي يعد من الصناعات الواعدة في مصر ومنطقة الشرق الأوسط، مدعومًا بالنمو السكاني وارتفاع معدلات الاستهلاك، إلى جانب تحقيق الشركات العاملة به هوامش ربحية جيدة مقارنة ببعض الأنشطة المالية الأخرى.
ولفت إلى أن السوق المصرية تختلف بصورة كبيرة عن التجربة الأمريكية خلال أزمة الرهن العقاري، موضحًا أن نشاط التمويل الاستهلاكي في مصر يخضع لرقابة من الهيئة العامة للرقابة المالية، مع وجود ضوابط تتعلق بقدرة العملاء على السداد وآليات التحصيل وإدارة المخاطر.







