81.8 مليار جنيه خلال النصف الأول من العام الجاري
رغم ارتفاع قيمة التوزيعات النقدية التي أقرتها الشركات المقيدة بالبورصة المصرية إلى نحو 350 مليار جنيه منذ عام 2021 وحتى النصف الأول من 2026، فإن الجدل مازال قائماً حول مدى قدرة تلك التوزيعات على الحفاظ على القوة الشرائية للمستثمرين في ظل موجات التضخم المتتالية التى شهدها الاقتصاد المصري خلال السنوات الأخيرة.
ويرى محللون أن التوزيعات النقدية ظلت أحد أهم عوامل جذب المستثمرين، خاصة الباحثين عن الدخل الدوري، إلا أن تقييم جدواها لم يعد يعتمد على قيمة الكوبون المعلن فقط، بل أصبح يرتبط بالعائد الحقيقي بعد احتساب أثر التضخم، ومدى استدامة الأرباح والتدفقات النقدية التي تستند إليها تلك التوزيعات.
وتظهر بيانات السوق نموًا متسارعًا في قيمة التوزيعات النقدية خلال السنوات الخمس الأخيرة، إذ بلغت نحو 17.5 مليار جنيه في 2021، ثم ارتفعت إلى 36.3 مليار جنيه في 2022، قبل أن تصل إلى 51.3 مليار جنيه في 2023، و68.8 مليار جنيه في 2024، فيما تجاوزت 90 مليار جنيه خلال 2025، وسجلت 81.8 مليار جنيه خلال النصف الأول من العام الجاري.
وفى سياق مواز، شهدت مصر موجة تضخمية حادة منذ عام 2021، حيث انتقل معدل التضخم من مستويات أحادية الرقم نسبيًا إلى معدلات تجاوزت 30% خلال 2023، مدفوعًا بتداعيات جائحة كورونا، وارتفاع أسعار السلع عالميًا، ثم تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية، إلى جانب الضغوط الناتجة عن تحركات سعر الصرف.
وبلغ التضخم ذروته عند نحو 38% في سبتمبر 2023، قبل أن يبدأ مسارًا هبوطيًا تدريجيًا خلال 2024 و2025 مع انحسار آثار صدمات الأسعار وتحسن توافر النقد الأجنبي وتشديد السياسة النقدية.
ورغم تراجع المعدلات إلى مستويات تدور حول 12% بنهاية 2025، فإن الأسعار ظلت عند مستويات مرتفعة مقارنة بما كانت عليه قبل موجة التضخم، ما جعل الحفاظ على القوة الشرائية للمدخرات والعوائد الاستثمارية تحديًا رئيسيًا أمام الأفراد والمستثمرين خلال السنوات الأخيرة.
إمام: التدفقات النقدية القوية وراء انتظام توزيعات البنوك والأغذية
قال عبد الحميد إمام، رئيس قسم البحوث بشركة بايونيرز لتداول الأوراق المالية، إن قطاعات البنوك والأغذية، لا سيما شركات المطاحن، إلى جانب الاتصالات والأسمنت والبتروكيماويات، تُعد من أكثر القطاعات انتظامًا وسخاءً في توزيع الأرباح النقدية، مستفيدة من قوة التدفقات النقدية واستقرار الربحية.
وأضاف أن قدرة الشركات على توزيع أرباح نقدية ترتبط أساسًا بمعدلات الربحية والسيولة المتاحة والتدفقات النقدية التشغيلية، وليس بتحركات سعر الصرف أو الأداء السوقي للسهم بصورة مباشرة.
وأوضح أن ارتفاع أسعار الأسهم قد يعكس توقعات إيجابية تجاه نمو الأعمال، لكنه لا يمثل بالضرورة مؤشرًا على زيادة التوزيعات النقدية، إذ يظل نمو الأرباح العامل الحاسم في تحديد قيمة الكوبونات الموزعة على المساهمين.
وأشار إمام إلى أن شريحة كبيرة من المستثمرين، خاصة الأفراد وبعض المؤسسات ذات التوجه نحو الدخل الدوري، تفضل الشركات التي تحافظ على سياسة توزيعات مستقرة ومنتظمة، خصوصًا في فترات ارتفاع أسعار الفائدة أو تصاعد الضبابية الاقتصادية والجيوسياسية.
وأضاف أن المستثمر طويل الأجل قد يفضل في بعض الأحيان الشركات التي تعيد استثمار جزء أكبر من أرباحها إذا كانت قادرة على تحقيق معدلات نمو مرتفعة، بما ينعكس على القيمة السوقية للسهم مستقبلًا.
أحمد: نمو الأرباح لا يعنى بالضرورة زيادة الكوبونات النقدية
من جانبها، قالت ولاء أحمد، رئيس قسم البحوث بشركة برايم لتداول الأوراق المالية، إن قرارات التوزيعات النقدية لا تعتمد فقط على حجم الأرباح المحققة، وإنما تستند إلى موازنة دقيقة بين تعظيم العائد للمساهمين والحفاظ على الموارد اللازمة لتمويل التوسعات وخطط النمو.
وأوضحت أن العديد من الشركات تفضل الاحتفاظ بجزء من الأرباح لإعادة استثماره أو خفض المديونيات وتعزيز المراكز المالية، وهو ما يفسر استمرار بعض الشركات في توزيع الكوبونات نفسها رغم تحقيق نمو ملحوظ في الأرباح.
وأضافت أن التضخم يمثل العامل الأكثر تأثيرًا على العائد الحقيقي للمستثمر، إذ قد ترتفع القيمة الاسمية للتوزيعات بينما تتراجع قدرتها الشرائية إذا جاءت الزيادة أقل من معدلات التضخم.
وأشارت إلى أن التوزيعات النقدية تظل مؤشرًا مهمًا على قوة المركز المالي للشركة، لافتة إلى أن الشركات القادرة على الحفاظ على سياسة توزيعات مستقرة غالبًا ما تتمتع بربحية وتدفقات نقدية أكثر استدامة مقارنة بالشركات التي تضطر إلى تقليص توزيعاتها.
ذكرت أن السوق عادة ما يتفاعل بصورة إيجابية مع التوزيعات المرتفعة، مستشهدة بتوزيعات البنك التجاري الدولي البالغة 6 جنيهات للسهم، والتي عززت من جاذبية السهم لدى شريحة واسعة من المستثمرين الباحثين عن العائد النقدي.
فراج: العائد الحقيقى للمستثمر يتوقف على جودة الأرباح لا قيمة التوزيع فقط
بدورها، قالت ندا فراج، المحلل المالي بشركة تيم لتداول الأوراق المالية، إن سياسة توزيع الأرباح أصبحت انعكاسًا مباشرًا لجودة الأرباح وقوة التدفقات النقدية أكثر من كونها مجرد قرار مرتبط بحجم الأرباح المحققة.
وأضافت أن الشركات صاحبة التدفقات النقدية التشغيلية القوية تكون الأكثر قدرة على الاستمرار في توزيع أرباح منتظمة دون التأثير على خططها الاستثمارية، في حين قد تضطر شركات أخرى إلى الاحتفاظ بجزء أكبر من الأرباح لمواجهة ارتفاع تكلفة التمويل أو دعم مراكزها المالية.
وأوضحت أن المستثمرين أصبحوا أكثر اهتمامًا باستدامة التوزيعات ومصادر تمويلها، إذ تمنح التوزيعات المعتمدة على أرباح تشغيلية متكررة ثقة أكبر مقارنة بتلك الناتجة عن أرباح استثنائية أو غير متكررة.
وأشارت إلى أن ارتفاع التضخم دفع المستثمرين إلى إعادة تقييم جاذبية الكوبونات النقدية من خلال مقارنتها بالعوائد المتاحة على الأدوات الاستثمارية الأخرى، مثل الودائع وأذون الخزانة، وليس فقط بالنظر إلى قيمة التوزيع المعلن.
وأضافت أن التوزيعات النقدية تمثل عنصرًا مهمًا في قرار الاستثمار، لكنها تبقى جزءًا من منظومة أوسع تشمل معدلات نمو الأرباح، وكفاءة الإدارة، ومستويات السيولة، وآفاق التوسع، واتجاهات أسعار الفائدة.







