تسعى البورصة المصرية إلى الدخول في مرحلة جديدة من النمو تستهدف خلالها رفع متوسط قيم التداول اليومية تدريجياً من المستويات الحالية إلى 24 مليار جنيه كمرحلة أولى، ثم مضاعفتها لاحقاً لتقترب من 50 مليار جنيه يومياً، في إطار رؤية تستهدف تعميق سوق المال وزيادة مساهمته في تمويل الاقتصاد وجذب الاستثمارات المحلية والأجنبية.
يأتي هذا المستهدف في وقت تشهد فيه السوق نشاطاً ملحوظاً على صعيد السيولة وأعداد المستثمرين، بعدما انضم نحو 380 ألف مستثمر جديد منذ بداية العام الجاري، بالتزامن مع ارتفاع أحجام التداول الشهرية لتتجاوز تريليوني جنيه في عدة أشهر، ما يعكس تحسناً واضحاً في شهية الاستثمار بالسوق.
وكان محمد فريد، وزير الاستثمار والتجارة الخارجية، قد أكد الأسبوع الماضي أن مستهدفات تطوير السوق لا يجب أن تتوقف عند الوصول إلى متوسط تداولات يومية بقيمة 12 مليار جنيه، وإنما يجب العمل على مضاعفتها إلى 24 مليار جنيه ثم استهداف الوصول إلى 48 مليار جنيه، بما يتناسب مع حجم الاقتصاد المصري وفرص النمو المتاحة أمام سوق المال.
ويرى خبراء سوق المال أن الوصول إلى هذه المستويات من السيولة يتطلب تنفيذ حزمة متكاملة من الإصلاحات تشمل تسريع وتيرة الطروحات الحكومية والخاصة، وتفعيل الأدوات المالية الحديثة، وزيادة نسب التداول الحر، وتوسيع قاعدة المستثمرين المؤسسيين، إلى جانب تعزيز جاذبية السوق أمام الاستثمارات الأجنبية.
المصري: الطروحات الجديدة والحوافز الضريبية نقطة البداية
قال ياسر المصري، العضو المنتدب لشركة العربي الأفريقي لتداول الأوراق المالية، إن الوصول بمتوسط التداولات اليومية إلى مستوى 50 مليار جنيه يعد هدفاً قابلاً للتحقق، لكنه يحتاج إلى خطة متكاملة ترتكز في المقام الأول على زيادة عدد الطروحات الجديدة بالسوق ومنح الشركات حوافز تشجعها على القيد.
وأوضح أن الوصول إلى هذا المستوى من التداولات يعني عملياً تداول ما يقرب من مليار دولار يومياً وفق أسعار الصرف الحالية، وهو مستوى يتطلب زيادة عمق السوق بصورة كبيرة مقارنة بالوضع الراهن.
وأضاف أن الإطار الزمني الواقعي لتحقيق هذا المستهدف يتراوح بين 3 و5 سنوات، بشرط الاستمرار في تنفيذ الإصلاحات المطلوبة وزيادة عمق السوق ورفع جاذبيته أمام المستثمرين.
وأشار إلى أن الطروحات الجديدة تأتي على رأس أولويات زيادة أحجام التداول، إلى جانب منح الشركات المقيدة حوافز ضريبية وتشريعية تشجعها على دخول البورصة، مؤكداً أن ترجمة هذه الحوافز إلى قوانين وإجراءات تنفيذية سيكون لها تأثير مباشر على زيادة عدد الشركات المقيدة.
وأكد المصري أن السوق تحتاج إلى قيد المزيد من الشركات التي تستوفي قواعد القيد، بغض النظر عن حجمها أو قيمتها السوقية، موضحاً أن اتساع قاعدة الشركات يساهم في زيادة الفرص الاستثمارية المتاحة أمام المستثمرين.
وأضاف أن دخول آليات جديدة مثل البيع على المكشوف من شأنه دعم أحجام التداول، نظراً لأنه يتيح التداول في الاتجاهين سواء خلال فترات الصعود أو الهبوط، ما يزيد من نشاط المتعاملين ويرفع معدلات دوران الأسهم.
ويرى أن تحقيق المستهدف لا يعتمد على فئة بعينها من المستثمرين، بل يتطلب جذب جميع الشرائح، سواء المستثمرين الأفراد أو المؤسسات المحلية والأجنبية والعربية، مع الاستفادة من التوسع في المنصات الرقمية التي نجحت في جذب شرائح جديدة من المستثمرين خلال السنوات الأخيرة.
وتوقع المصري أن تحظى قطاعات البترول والبنوك والتأمين والبتروكيماويات والأدوية باهتمام المستثمرين خلال الفترة المقبلة، نظراً لما تتمتع به من فرص نمو وقدرتها على جذب السيولة.
حمدي: المشتقات والبيع على المكشوف يرفعان التداولات 40%
من جانبه، قال هاني حمدي، العضو المنتدب لشركة مباشر لتداول الأوراق المالية، إن زيادة أحجام التداول تتطلب العمل على أكثر من محور في الوقت نفسه، وفي مقدمتها استكمال برنامج الطروحات الحكومية وإضافة شركات جديدة إلى السوق، بالتوازي مع تفعيل الأدوات والمنتجات المالية الحديثة.
وأوضح أن تفعيل آليات البيع على المكشوف والمشتقات المالية يعد من أهم العناصر القادرة على تنشيط التداولات، لكنه يتطلب أيضاً رفع مستوى الوعي لدى المستثمرين وتعريفهم بكيفية استخدام هذه الأدوات والمخاطر المرتبطة بها.
وأضاف أن الجمع بين الطروحات الجديدة والأدوات المالية الحديثة يمكن أن يرفع أحجام التداول بنسبة تتراوح بين 35 و40% مقارنة بالمستويات الحالية، خاصة أن هذه الأدوات تتيح فرصاً واستراتيجيات استثمارية جديدة للمستثمرين.
وأشار إلى أن الحوافز الاستثمارية الأخيرة ستلعب دوراً مهماً في تشجيع الشركات على القيد والطرح، سواء في السوق الرئيسية أو بورصة النيل، بما يسهم في توسيع قاعدة الشركات وزيادة عمق السوق.
وأكد أن زيادة عدد الأدوات والشركات المتاحة أمام المستثمرين ستنعكس بصورة مباشرة على مستويات السيولة، متوقعاً أن يستغرق الوصول إلى المستهدفات المعلنة نحو ثلاث سنوات في حال استمرار تنفيذ الإصلاحات الحالية.
حامد: السوق تحتاج إلى شركات كبرى وصناع سوق نشطين
وقالت راندا حامد، العضو المنتدب لشركة عكاظ لتكوين وإدارة محافظ الأوراق المالية، إن الوصول إلى تداولات يومية تتراوح بين 45 و50 مليار جنيه يعد هدفاً قابلاً للتحقق، خاصة أن السوق نجحت خلال السنوات الماضية في مضاعفة أحجام التداول أكثر من مرة.
وأضافت أن تحقيق هذا المستهدف يتطلب تنشيط دور صناع السوق وموفري السيولة والتوسع في سوق المشتقات المالية، مشيرة إلى أن ضعف نشاط المشتقات خلال الفترة الماضية ارتبط جزئياً بعدم وجود صانع سوق نشط بالشكل الكافي.
وأكدت أن المشتقات والبيع على المكشوف يمثلان أدوات أساسية لزيادة عمق السوق وتنويع استراتيجيات المستثمرين، بما ينعكس في النهاية على أحجام التداول والسيولة.
وأشارت إلى أن السوق المصرية تحتاج بصورة أكبر إلى جذب شركات كبيرة ذات رؤوس أموال ضخمة وأوزان اقتصادية مؤثرة، وليس فقط زيادة عدد الشركات المقيدة، موضحة أن السوق ما زالت تعاني من تركز نسبي في عدد محدود من الأسهم القيادية.
وأضافت أن دخول كيانات كبيرة جديدة سيؤدي إلى إعادة توزيع الأوزان داخل المؤشرات، ويزيد من جاذبية السوق للمستثمرين الأجانب والمؤسسات الدولية التي تفضل الاستثمار في الشركات ذات السيولة المرتفعة والأحجام الكبيرة.
وشددت على أهمية زيادة دور المستثمر المؤسسي خلال الفترة المقبلة، خاصة أن الأفراد يستحوذون على النسبة الأكبر من التداولات، مؤكدة أن زيادة مساهمة المؤسسات تمنح السوق استقراراً وعمقاً أكبر.
كما دعت إلى التوسع في صناديق الاستثمار وصناديق المؤشرات المتداولة، باعتبارها أدوات قادرة على جذب شرائح جديدة من المستثمرين المحليين والأجانب وزيادة الأموال المؤسسية بالسوق.
مسعود: الطروحات الكبرى وسيلة جذب المستثمرين
وقال محمد فاروق مسعود، العضو المنتدب لشركة جلوبال إنفست لتداول الأوراق المالية، إن تحقيق مستهدف رفع متوسط التداولات اليومية إلى 50 مليار جنيه يتطلب الإسراع في تنفيذ برنامج الطروحات الحكومية وإضافة شركات كبيرة وجاذبة إلى السوق.
وأوضح أن السوق الحالية وصلت إلى أقصى قدرة للشركات المقيدة على استيعاب نمو التداولات، ما يجعل إضافة شركات جديدة العامل الأكثر أهمية في زيادة السيولة.
وأضاف أن نجاح أي طرح جديد يعتمد على ثلاثة عناصر رئيسية هي التسعير المناسب، واختيار القطاع، والتوقيت الملائم للطرح، مؤكداً أن الالتزام بهذه المعايير سيحدث نقلة كبيرة في أداء السوق.
وأشار إلى أن قطاعات البترول والصناعة والبتروكيماويات والبنوك تأتي في مقدمة القطاعات القادرة على جذب المستثمرين خلال المرحلة المقبلة، نظراً لما تمتلكه من ثقل اقتصادي وفرص نمو مرتفعة.
وأكد أن المستثمر الفرد ما زال يمثل المحرك الرئيسي للتداولات اليومية، في حين يمثل المستثمر الأجنبي المؤسسي دعامة مهمة للاستثمار طويل الأجل، مشدداً على ضرورة تنشيط الشريحتين معاً لتحقيق المستهدفات المعلنة.
وأضاف أن الوصول إلى 50 مليار جنيه يومياً لن يتحقق من خلال الشركات الحالية فقط، بل يتطلب توسيع السوق عبر إدراج شركات كبيرة ذات رءوس أموال مرتفعة وقيم سوقية جاذبة للمستثمرين المحليين والأجانب.
الجريتلي: الإطار الزمني الواقعي يتراوح بين 3 و5 سنوات
ويرى معتز الجريتلي، العضو المنتدب لشركة السهم الذهبي لتداول الأوراق المالية، أن الوصول إلى تداولات يومية تتراوح بين 48 و50 مليار جنيه يتطلب تنفيذ حزمة متكاملة من الإصلاحات تتجاوز مجرد زيادة عدد الشركات المقيدة.
وأوضح أن الأولوية يجب أن تكون لجذب شركات كبيرة حكومية وخاصة تمتلك قيماً سوقية مرتفعة، بما ينعكس على عمق السوق ويعزز الوزن النسبي للبورصة المصرية على مؤشرات الأسواق الناشئة العالمية.
وأشار إلى أن رفع نسب التداول الحر يمثل أحد أهم الأدوات اللازمة لزيادة السيولة، إذ يمنح المستثمرين والمؤسسات قدرة أكبر على الدخول والخروج من الأسهم دون التأثير بشكل حاد على الأسعار.
كما أكد أهمية تفعيل دور صناع السوق، خاصة بعد إعفائهم من ضريبة الدمغة، مشيراً إلى أن هذه الخطوة ستساعد على توفير سيولة مستمرة وتقليص الفجوات بين أسعار البيع والشراء.
وأضاف أن التوسع في أدوات المشتقات وصناديق المؤشرات المتداولة يمثل ضرورة لاستكمال البنية الحديثة لسوق المال، نظراً لدورها في جذب المستثمرين الأجانب والمؤسسات الكبرى.
ولفت إلى أن التحول الرقمي وتسهيل إجراءات فتح الحسابات إلكترونياً يمثلان محوراً مهماً في توسيع قاعدة المستثمرين، خاصة بين الشباب وصغار المستثمرين بالمحافظات المختلفة.
وتوقع الجريتلي أن يستغرق الوصول إلى مستهدف الـ50 مليار جنيه ما بين 3 و5 سنوات، بشرط استمرار الإصلاحات الهيكلية واستقرار الاقتصاد الكلي وتنفيذ برنامج الطروحات بصورة منتظمة.
العجيزي: صناديق المعاشات والعاملين تمثل خزان سيولة ضخماً
وقال أحمد العجيزي، العضو المنتدب لشركة تيم لتداول الأوراق المالية، إن السوق المصرية حققت بالفعل طفرة كبيرة خلال السنوات الأخيرة بعدما ارتفعت متوسطات التداول اليومية من نحو 1.5 و2 مليار جنيه إلى ما يتراوح حالياً بين 11 و12 مليار جنيه يومياً.
وأضاف أن الوصول إلى 50 مليار جنيه لا يزال يمثل هدفاً طموحاً، لكنه ليس مستحيلاً إذا توافرت البيئة المناسبة وتمكنت السوق من جذب مزيد من المستثمرين العرب والأجانب والصناديق الاستثمارية العالمية.
وأشار إلى أن التطورات الجيوسياسية تلعب دوراً مهماً في حركة الاستثمارات الأجنبية، إذ تؤدي فترات الاستقرار إلى عودة التدفقات بصورة أسرع إلى الأسواق الناشئة.
وأوضح أن هناك مصدراً مهماً للسيولة لا يزال غير مستغل بالشكل الكافي، يتمثل في صناديق العاملين وصناديق المعاشات والصناديق التابعة للبنوك وشركات التأمين والمؤسسات المختلفة، والتي تمتلك ملاءات مالية كبيرة يمكن أن تسهم في زيادة عمق السوق بصورة ملموسة.
وأكد أن المطلوب خلال المرحلة المقبلة هو توسيع قاعدة المستثمرين من خلال تقديم المزيد من الحوافز وتسهيل الإجراءات، مشيراً إلى أهمية تسهيل إجراءات تكويد صناديق العاملين التي لا تزال تواجه بعض التعقيدات التنظيمية.








