تحولت رسوم التنازل عن الوحدات العقارية من بند تعاقدي إلى ملف يثير جدلًا قانونيًا واقتصاديًا، خاصة مع وصولها في بعض الحالات إلى 15% من قيمة الوحدة، ما يفرض أعباء مالية كبيرة على العميل الراغب في التخارج، ويطرح تساؤلات حول ما إذا كانت هذه المبالغ تمثل تكلفة فعلية لإجراءات التنازل أم تتحول إلى قيد على إعادة البيع.
ويرى خبراء قانونيون وعقاريون، تحدثوا لـ«البورصة»، أن ارتفاع الرسوم يستدعي وضع ضوابط أكثر وضوحًا للعلاقة بين المطور والمشتري، خاصة في حالات تعثر العميل ورغبته في التخارج، مؤكدين أن تنظيم هذه العملية يجب أن يوازن بين حماية حقوق المطور وعدم تحويل رسوم التنازل إلى عائق أمام تداول الوحدات.
جرامون: القانون يتيح للقاضي تخفيض التعويض الاتفاقي إذا كان مبالغًا فيه
قال حسام جرامون، المحامي بالاستئناف العالي، إن فرض رسوم تنازل تصل إلى 15% من قيمة الوحدة يحتاج إلى مراجعة قانونية دقيقة، موضحًا أن القضية لا تتعلق فقط بقيمة النسبة، وإنما بطبيعة المبلغ ومدى جواز تقاضي المطور مقابل تصرف المشتري في وحدته.
أضاف أن المادة 15 من قانون حماية المستهلك تتناول الشروط التي تسمح للبائع بالحصول على نسبة أو رسوم أو عمولة بسبب تصرف المشتري في الوحدة، مشيرًا إلى أن اشتراط سداد نسبة من قيمة الوحدة للموافقة على البيع أو التنازل قد يثير شبهة مخالفة النص، بحسب طبيعة الشرط والوقائع المرتبطة به.
وأوضح جرامون أن وصف المبلغ بأنه «رسوم إدارية» لا يحسم طبيعته القانونية، إذ يمكن للمحكمة بحث حقيقة المبلغ والغرض منه، وما إذا كان يمثل تكلفة فعلية لإجراءات إدارية أم مقابلًا عن إعادة البيع أو جزاءً اقتصاديًا على التصرف في الوحدة.
ولفت إلى أن ارتفاع الرسوم يمثل إشكالية أكبر إذا كان الهدف العملي منها دفع العميل المتعثر إلى فسخ التعاقد بدلًا من التنازل، مؤكدًا أن تحديد الأثر القانوني يتوقف على طبيعة الشرط والوقائع الخاصة بكل حالة.
أضاف جرامون، أن المادة 224 من القانون المدني قد تتيح للقاضي تخفيض التعويض الاتفاقي إذا كان مبالغًا فيه بدرجة كبيرة أو إذا نُفذ الالتزام الأصلي في جزء منه، مؤكدًا أن تطبيقها على رسوم التنازل يتوقف أولًا على تحديد طبيعة المبلغ وما إذا كان يمثل تعويضًا اتفاقيًا أم مقابلًا لخدمة أو إجراء إداري.
وأشار إلى ضرورة التفرقة بين حق المطور في تنظيم إحلال مشترٍ جديد محل المشتري الأصلي، وفقًا للعقد والقانون، وبين حصوله على نسبة من قيمة عملية البيع.
وأكد جرامون، أن السوق العقاري يحتاج إلى منظومة تشريعية متكاملة تنظم التنازل والتعثر والفسخ، بحيث يفصل العقد بوضوح بين هذه المسارات ولا يتم استخدام أحدها كعقوبة غير مباشرة على الآخر، مع تحقيق قدر من التوازن في الجزاءات بين طرفي العلاقة.
المنشاوي: يجب إنشاء محكمة عقارية للفصل في المنازعات وحماية جميع الأطراف
وقال رضا المنشاوي، المحامي بالاستئناف العالي، إن فرض رسوم أو نسب على تنازل العميل عن وحدته يثير إشكالية قانونية في ضوء المادة 15 من قانون حماية المستهلك رقم 181 لسنة 2018، التي تتناول الشروط المتعلقة بتصرف المشتري في الوحدات العقارية.
أضاف أن النسب المتداولة في السوق تتراوح في المعتاد بين 5% و10%، بينما ترفعها بعض الشركات إلى 15%، معتبرًا أن استمرار هذه الممارسات يستدعي رقابة أكبر، ومطالبًا جهاز حماية المستهلك بدراسة مدى توافقها مع القانون.
وأوضح المنشاوي، أن الرسوم المرتفعة قد تعطل إعادة بيع الوحدات، خاصة إذا كان العميل مضطرًا للتخارج بسبب التعثر المالي، ما قد يزيد احتمالات فسخ التعاقد وعودة الوحدة إلى مخزون المطور بدلًا من استمرار تداولها في السوق.
أضاف أن العميل المتضرر من بند يفرض رسومًا على التنازل يمكنه اللجوء إلى القضاء للمطالبة بإبطال البند إذا ثبتت مخالفته للقانون، موضحًا أن بطلان أحد البنود لا يعني بالضرورة بطلان العقد بالكامل، وإنما قد يقتصر أثره على البند محل المخالفة ما لم يكن من البنود الجوهرية.
وأشار إلى أن العقود العقارية تحتاج إلى ضوابط أكثر وضوحًا تحقق التوازن بين حقوق المطور والمشتري، مطالبًا بوجود جهة مختصة تراجع عقود البيع التي تبرمها شركات التطوير العقاري.
ودعا المنشاوي، إلى وضع عقد موحد أو نماذج استرشادية معتمدة، مع تولي جهة حكومية مختصة مراجعة العقود والتحقق من توافقها مع حقوق المشترين، مؤكدًا أن ترك كل مطور لإعداد عقده بصورة منفردة قد يفتح الباب أمام شروط غير متوازنة.
كما دعا إلى إنشاء محكمة عقارية متخصصة ولجان لفض المنازعات العقارية، على غرار المحكمة الاقتصادية، لمواكبة حجم السوق وتزايد المنازعات بين المطورين والعملاء، بما يسهم في سرعة الفصل في النزاعات وتحقيق قدر أكبر من الاستقرار في السوق.
عبدالرحمن: الأفضل تحديد الرسوم بمبلغ ثابت وليست نسبة من قيمة الوحدة
وقال محمد عبدالرحمن، رئيس جمعية التقييم العقاري، إن فرض رسوم تنازل تصل إلى 15% من قيمة الوحدة يمثل ممارسة تحتاج إلى إعادة نظر، مشيرًا إلى أن هناك نصوصًا قانونية وأحكامًا قضائية تنظم هذه المسألة وتثير تساؤلات حول تحميل المشتري رسومًا مقابل التصرف في وحدته.
وأشار إلى المادة 15 من قانون حماية المستهلك، التي تتناول الشروط المتعلقة بتصرف المشتري في الوحدات العقارية، موضحًا أن النص يحظر تضمين عقود بيع الوحدات شرطًا يتيح للبائع تقاضي نسبة أو رسوم أو عمولة من ثمن تصرف المشتري في الوحدة أو مقابل هذا التصرف، ويقرر بطلان الشرط المخالف.
أكد عبدالرحمن، أن استمرار فرض نسب مرتفعة يكشف عن فجوة بين القواعد المنظمة للسوق وآليات تطبيقها والرقابة على الالتزام بها، مشيرًا إلى أن الحكم القضائي الصادر لصالح أحد العملاء لا يتحول بالضرورة إلى قاعدة ملزمة لجميع الحالات المماثلة، ما قد يدفع المتضررين إلى اللجوء للقضاء بشكل متكرر.
وأوضح أن المطور لا يفترض أن يحقق أرباحًا من إعادة بيع العميل لوحدته، وإنما يقتصر حقه على تحصيل مصروفات فعلية ومحددة مرتبطة بإجراءات التنازل وتعديل العقد، لافتًا إلى أن ارتفاع الرسوم يزيد الضغوط على العملاء المتعثرين الراغبين في الخروج من الوحدة.
أكد عبدالرحمن، أن الحل يتمثل في استبدال الرسوم المحسوبة كنسبة من قيمة الوحدة بمبلغ ثابت ومحدد، مع وضع نظام موحد يسري على مستوى السوق، بما يحقق التوازن بين تكلفة الإجراءات وحق العميل في التصرف في وحدته.
وطالب بإنشاء جهة متخصصة لتنظيم السوق العقاري تتولى وضع قواعد واضحة للعلاقة بين المطور والمشتري ومراقبة الالتزام بها، مؤكدًا أن ترك تحديد رسوم التنازل لكل شركة وفقًا لسياساتها يؤدي إلى فروق كبيرة بين العقود والممارسات.
جادو: الملف يحتاج دراسات متخصصة تضع ضوابط لتعامل المطورين والعملاء
وقال عبدالمجيد جادو، الخبير العقاري، إن تحميل العميل الذي يرغب في التنازل عن وحدة نسبة من ثمنها يحتاج إلى إعادة تقييم، موضحًا أن تحديد الرسوم يجب أن يرتبط بطبيعة الحالة وسبب التخارج، وليس أن يتحول إلى وسيلة ضغط على العميل المتعثر لإجباره على الاستمرار في العقد.
أضاف أن ملف رسوم التنازل والعقود العقارية يحتاج إلى دراسات متخصصة تضع ضوابط واضحة للتعامل بين المطورين والعملاء، مشيرًا إلى أهمية وجود اتحاد للمطورين العقاريين يتولى تصنيف الشركات وفقًا لمعايير الملاءة المالية والخبرات والكوادر الفنية والإمكانات التنفيذية، على أن يتمتع بالحياد والاستقلالية.
وأشار إلى أن بعض حالات التنازل قد تنتج عن بنود مجحفة أو عدم وضوح مواصفات الوحدة واشتراطات التشطيب وآليات التسليم، ما يستدعي إعادة النظر في صياغة العقود العقارية، لافتًا إلى أن بعض العقود الحالية يمكن وصفها بأنها عقود إذعان.
أكد جادو أن تحديد رسوم موحدة لا يمكن حسمه دون دراسة أسباب التخارج؛ فإذا كان التنازل ناتجًا عن تعثر العميل دون تقصير من المطور، فمن الطبيعي وجود آلية تحفظ حقوق الشركة، بينما إذا كان التخارج نتيجة تعثر المطور أو إخلاله بالتزاماته، فيجب أن تتوافر آلية تحفظ حقوق العميل.
وشدد على ضرورة تحقيق التوازن بين حق المطور في حماية مشروعاته من المضاربة وحق العميل في التصرف في وحدته، موضحًا أن تنظيم عمليات البيع وإعادة البيع منذ البداية، إلى جانب التأكد من الملاءة المالية للمطور، يمكن أن يقلل من النزاعات التي تظهر عند التخارج.








