4 عقود من السياسات النيوليبرالية تُظهر اتساع العجز والتفاوت وتكرار الأزمات المالية عالمياً
قليلة هى الأفكار الفاشلة التي تأبى أن تموت، وتعود إلى الظهور بالقدر ذاته من الإصرار الذي يتمتع به الادعاء بأن الحكومات اليمينية مفيدة للاقتصاد، في حين أن الحكومات التقدمية تسيء إدارته.
بيد أن هذا الاعتقاد يعكس مفهومًا للاقتصاد يتجاهل استدامة النمو وسجل المحافظين الحقيقي.
بالفعل، في بلد تلو الآخر، أفضت التجربة النيوليبرالية التي استمرت على مدار العقود الأربعة الأخيرة إلى زيادة عجز الميزانية العامة، واتساع فجوات التفاوت، وإنتاج أزمات مالية متكررة، وجعلت الاقتصادات أكثر هشاشة.
ومرة تلو الأخرى، كان لزامًا على الحكومات اليسارية إصلاح الضرر، بحسب ما نقله موقع “بروجكت سنديكيت”.
ومع ذلك، تخلت شرائح من اليسار عن رايات النمو، والاستدامة المالية، واستقرار الأسعار لصالح المحافظين، حتى برغم أن الأدلة تُظهر أن التقدميين دافعوا عن هذه الأهداف بشكل أفضل.
تسببت هذه الأخطاء غير المبررة في تآكل مصداقية اليسار بين المواطنين الذين أرادوا ببساطة العمل، وبدء مشروع تجاري، وتحسين أحوال حياتهم.
في البرازيل، عقب هزيمة حكومة يمينية، عادت إدارة الرئيس لويز إيناسيو لولا دا سيلفا، إلى مسار المسؤولية المالية والعدالة الاجتماعية الذي نبذته الحكومة السابقة.
بعد تعزيز الشفافية، وتوسيع نطاق السياسات الاجتماعية، وإلغاء الإعفاءات الضريبية التي كانت تستفيد منها مجموعات مؤسسية كبرى على نحو غير متناسب، فإن النتائج تتحدث عن نفسها.
فقد وصلت معدلات البطالة إلى أدنى مستوياتها على الإطلاق، وأصبح دخل الأسر في ارتفاع، وبدأ ملايين الأشخاص يتخلصون من براثن الفقر.
على نحو مماثل، في إسبانيا، حققت حكومة رئيس الوزراء بيدرو سانشيز، واحدًا من أعلى معدلات النمو بين الاقتصادات المتقدمة الكبرى على مدار ثلاث سنوات متتالية، في حين نجحت أيضًا في خفض عجز الميزانية إلى أدنى مستوياته فيما يقرب من عقدين من الزمن.
وبلغت معدلات التوظيف مستويات غير مسبوقة، حيث تستحوذ إسبانيا على 5 من كل 10 وظائف جديدة تُنشأ في منطقة اليورو، وتعمل الإصلاحات البنيوية على تحسين جودة الوظائف، والإنتاجية، والإبداع.
الدرس المستفاد هو ذاته فى كل من الحالتين.
فبالاستعانة بالمزيج الصحيح من السياسات الجريئة والطموحة، لا تتعارض المسؤولية المالية، والنمو، وبرامج التنمية الاجتماعية مع بعضها بعضًا؛ بل تعزز بعضها بعضًا.
هذا هو المسار البديل الذي يحتاج إليه العالم في وقت يميل فيه صناع السياسات، على نحو متزايد، إلى وضع المصالح السوقية والمالية الضيقة قبل الصالح العام.
أُنشئ المجلس العالمي المعني بالاقتصاد الجديد في القرن الحادي والعشرين، وهو منتدى يضم كبار الاقتصاديين الذين يعملون على تعزيز هذا النموذج من الاقتصاد التقدمي، بهدف تصميم وتشجيع سياسات سليمة صالحة لعالم يمر بمرحلة تحول.
هذا المجلس، الذي استضافته إسبانيا في مستهل الأمر، سيعقد أول اجتماعاته بحضور الأعضاء شخصيًا في أكتوبر، وهو اجتماع من المتوقع أن يكون خطوة أساسية نحو التخلي عن الاقتصاد التقليدي الذي خذل غالبية سكان العالم.
لا يجوز لنا أن نسمح باستمرار هذا الفشل.
الواقع أن التحولات الثلاثة الكبرى الجارية الآن ـ الديموغرافية والبيئية والرقمية ـ تستلزم اقتصادات أكثر عدالة، وأعلى إنتاجية، وأعظم مرونة، وأرسخ سيادة.
التحول الديموغرافي، على سبيل المثال، يُجهد أنظمة الحماية الاجتماعية على جانبي الأطلسي.
تضم إسبانيا واحدة من التجمعات السكانية الأكثر شيخوخة على مستوى العالم، في حين بدأت البرازيل تشهد أفول العائد الديموغرافي الذي كان يدفع عجلة تنميتها.
تتمثل استجابة اليمين لهذا التحدي في خفض المزايا، وتحويل العبء المالي إلى أولئك الأقل قدرة على تحمله.
أما الحل فيتلخص في رفع الإنتاجية وبناء أنظمة ضريبية أكثر إنصافًا وتصاعدية.
فقد وافقت البرازيل مؤخرًا على إصلاح ضريبة الدخل الذي يعفي 15 مليون عامل من أصحاب الدخل الأدنى والمتوسط، بينما يفرض حدًا أدنى من المساهمة الفعالة على أصحاب الدخل الشديد الارتفاع.
على نحو مماثل، فرضت إسبانيا ضرائب على الأرباح الاستثنائية التي تجنيها شركات الطاقة والبنوك لتمويل استجابتها للارتفاع التضخمي الذي أعقب غزو روسيا لأوكرانيا في عام 2022.
وكانت رائدة أيضًا في فرض ضريبة على الثروات الضخمة.
مع ظهور التحول البيئي كأساس للتنمية في القرن الحادي والعشرين، تمتلك البرازيل أصولًا استراتيجية لا مثيل لها، تشمل أكبر غابة استوائية في العالم، وأكبر احتياطيات العالم من المياه العذبة، ومزيجًا قويًا من مصادر الكهرباء المتجددة.
وقد جعلت إدارة “لولا” حماية منطقة الأمازون ركيزة أساسية للسياسة الخارجية البرازيلية، ليس لنبذ التنمية، بل لضمان استدامة هذه التنمية.
من جانبها، تُعد إسبانيا رائدة عالمية في مجال الطاقة النظيفة.
تولد مصادر الطاقة المتجددة أكثر من نصف احتياجاتها من الكهرباء، وتحتل البلاد المرتبة الثانية عالميًا من حيث الاستثمارات الجديدة في هذا القطاع.
وكان تناقص اعتمادها على الهيدروكربونات سببًا في حماية الأسر بالفعل من تأثير الحرب الدائرة في إيران، وخفض تكاليف الكهرباء المستخدمة في الصناعة.
أخيرًا، سوف يعمل التحول الرقمي بشكل متزايد على تشكيل ظروف معيشة أجيال المستقبل، ولكن في الوضع الراهن، تسيطر حفنة من الشركات على البنية الأساسية التكنولوجية التي تعتمد عليها اقتصاداتنا وديمقراطياتنا.
وكما حذر البابا لاون الرابع عشر، فإن تركز القوة على هذا النحو ينطوي على مخاطر جسيمة تتمثل في تجريد البشر من إنسانيتهم؛ لأن شركات التكنولوجيا تركز على تعظيم عائدات المساهمين، وليس صيانة التماسك الاجتماعي أو النزاهة الديمقراطية.
لهذا السبب، تجمع البرازيل بين تنظيم المنصات ودعم مراكز البيانات وإطار عمل قائم على المخاطر في التعامل مع الذكاء الاصطناعي، وللسبب ذاته اقترحت إسبانيا حظر وصول من هم دون سن 16 عامًا إلى وسائط التواصل الاجتماعي.
وكل من البلدين يطالب بمزيد من المسؤولية من جانب المنصات الضخمة، ويدعو إلى ذكاء اصطناعي يحترم الكرامة، والاستقلالية، والإنصاف.
العالم الذي نعيشه اليوم ليس هو العالم الذي أردنا بناءه.
فقد عادت الحروب والنزعات المتطرفة، ويجري تفكيك التعددية، في حين تسعى قوى كبرى إلى فرض تعريفات جمركية أحادية الجانب، وتستخدم الوصول إلى الأسواق كورقة ضغط، وتستعيض عن الدبلوماسية بالتهديدات. وهذا يضر بالجميع.
وتقع على عاتق وزراء المالية، بحسب “بروجكت سنديكيت”، مسئولية تتمثل في الإصرار على تسوية الخلافات بين الدول من خلال الحوار والقانون.
كان التوقيع مؤخرًا على اتفاقية الاتحاد الأوروبي وميركوسور ـ وهي أكبر اتفاقية من نوعها في التاريخ من حيث الناتج المحلي الإجمالي المشترك، والتي لعبت الحكومات فيها دورًا محوريًا ـ تعبيرًا ملموسًا عن هذا الالتزام.
سعى “لولا” إلى إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة مع الأطراف كافة، رافضًا الانحياز التلقائي لأي جانب، ومؤكدًا أن الجنوب العالمي له صوته الخاص.
على نحو مماثل، دافع “سانشيز” عن القانون الدولي في مواجهة الإجراءات الأحادية الجانب، وحث الاتحاد الأوروبي على السعي إلى اكتساب قدر أعظم من الاستقلالية الاستراتيجية.
لقد أظهرت الحكومتان أن السياسات التقدمية ليست مفيدة للاقتصاد فحسب؛ بل إنها تؤدي أيضًا إلى مجتمعات أكثر استقرارًا وعدالة.
لا يزال البعض يفضل منطق القانون على منطق القوة، والحكم التعددي على التشرذم، والسيادة الرقمية لصالح الناس العاديين على القوة التكنولوجية المركزة.
لن يظهر المقياس الحقيقي للتقدمية في الخطب الرنانة، بل في ظروف العمل الأفضل، والسكن الميسور التكلفة، والقدرة على الوصول إلى تعليم يفتح فرصًا حقيقية.
الآن، أكثر من أي وقت مضى، يحتاج الناس إلى رؤية حكوماتهم تقف إلى جانبهم.







