كلمة استراتيجية من الكلمات التي عندما نسمعها، نشعر أنها كلام كبير، وأنها تحتاج إلى خبراء ومستشارين واجتماعات طويلة، وربما مجلدات كثيرة لا يقرأها أحد!
لكن الحقيقة أن الاستراتيجية أبسط من ذلك بكثير، وأهم من ذلك بكثير أيضًا.
دعونا نحكي الحكاية من أولها.
تخيل أنك في القاهرة، وتريد الذهاب إلى الإسكندرية. أول سؤال يجب أن تسأله لنفسك: أنا فين دلوقتي؟ والسؤال الثاني: عايز أروح فين؟ ثم يأتي السؤال الأهم: كيف أصل إلى هناك؟ وما أفضل طريق أسلكه؟ وكيف أتأكد أنني أسير في الاتجاه الصحيح؟
هذه الأسئلة البسيطة هي في الحقيقة جوهر الاستراتيجية.
أولًا، أين نحن الآن؟ لا يمكن أن تضع استراتيجية وأنت لا تعرف موقعك الحقيقي. يجب أن تفهم واقعك، وإمكاناتك، ونقاط قوتك وضعفك، ومكانك وسط المنافسين.
ثانيًا، أين نريد أن نكون؟ ما الهدف الذي نسعى إليه؟ وما الصورة التي نريد أن نصل إليها؟ هنا يجب أن نفرق بين ما نحققه بالفعل وما نطمح إلى تحقيقه. والفرق بين الاثنين هو ما نسميه «الفجوة»، أو Gap Analysis.
ثالثًا، كيف نصل؟ هنا تبدأ البدائل الاستراتيجية. هل نسلك الطريق السريع؟ هل نختار طريقًا آخر؟ هل نصلح الطريق الذي نسير فيه، أم نغير وجهتنا من الأساس؟
رابعًا، ما أفضل طريق؟ ليس كل طريق ممكن هو الطريق المناسب. علينا أن نقارن البدائل، ونحسب تكلفتها ومخاطرها، ونختار ما يتناسب مع إمكاناتنا والظروف المحيطة بنا.
خامسًا، كيف نضمن أننا نسير في الاتجاه الصحيح؟ هنا تأتي المحطات الرئيسية، ومؤشرات الأداء، والنتائج المطلوب تحقيقها. لا يكفي أن تقول إنك تريد الوصول إلى الإسكندرية؛ يجب أن تعرف أنك تقترب منها بالفعل.
هذه هي الاستراتيجية في أبسط صورها: أن تعرف أين أنت، وأين تريد أن تكون، وكيف تصل، وما الطريق الأفضل، وكيف تتأكد من أنك لم تضل الطريق.
لكن الحكاية لا تنتهي هنا.
المشكلة أن الاستراتيجية ظلت لسنوات طويلة مرتبطة بالخطط الخمسية والعشرية، وكأن العالم سيظل كما هو حتى ننتهي من تنفيذ ما كتبناه على الورق.
كانت المصانع أكثر استقرارًا، والأسواق أقل سرعة في التغير، وكان من الممكن أن تعيش الخطة سنوات طويلة قبل أن تحتاج إلى مراجعة كبيرة.
ثم تغير العالم.
جاء الإنترنت، وظهرت شركات لم تكن موجودة أصلًا، وخرجت شركات أخرى من السوق رغم أنها كانت تملك أسماء كبيرة وحصصًا سوقية ضخمة. ثم جاءت جائحة كورونا، وبعدها تسارع دخول الذكاء الاصطناعي إلى عالم الأعمال، فأصبح ما كان يحتاج إلى سنوات من التحليل والدراسة يمكن إنجازه في وقت أقصر بكثير.
وهنا يجب أن نفهم نقطة مهمة: أنا لا أقول إن الاستراتيجية انتهت، ولا إن التخطيط لم يعد له قيمة. بالعكس، نحن اليوم في حاجة إلى الاستراتيجية أكثر من أي وقت مضى، لكننا في حاجة إلى استراتيجية تفهم أن العالم يتغير باستمرار.
لم يعد كافيًا أن تضع خطة جيدة اليوم، ثم تطلب من الجميع تنفيذها كما هي لمدة خمس سنوات. قد تتغير احتياجات العميل، أو تظهر تكنولوجيا جديدة، أو يدخل منافس بطريقة لم تكن تتوقعها، أو تتغير تكلفة التمويل، أو تتبدل قواعد السوق بالكامل.
ماذا تفعل وقتها؟ هل تتمسك بالخطة لأنك أنفقت وقتًا طويلًا في إعدادها؟ أم تعترف بأن الواقع تغير، فتراجع افتراضاتك وتعدل طريقك؟
الاستراتيجية الجيدة ليست التي تتنبأ بكل شيء، فهذا مستحيل، لكنها التي تمنحك القدرة على التعامل مع ما لم تتوقعه.
خذ مثالًا بسيطًا من حياتنا اليومية: تطبيق Google Maps.
أنت تحدد وجهتك، والتطبيق يقترح عليك الطريق. لكن إذا حدث ازدحام مروري، فإنه يعيد حساب المسار ويقترح طريقًا آخر. لم يتخلَّ عن وجهتك، ولم يفقد هدفه، لكنه غيّر وسيلته للوصول إليه.
وهذه هي الفكرة التي تحتاجها الشركات اليوم.
الثبات على الهدف لا يعني الجمود في الطريق.
قد تظل وجهتك هي النمو، لكن الطريقة التي تحقق بها هذا النمو تتغير. وقد تظل ميزتك التنافسية هي الجودة، لكن الوسائل التي تحافظ بها على هذه الجودة تتطور. وقد تظل تخدم العميل نفسه، لكن احتياجاته تتغير، وبالتالي يجب أن تتغير طريقتك في خدمته.
بل إن الميزة التنافسية نفسها لم تعد شيئًا يمكن أن تخلقه مرة واحدة ثم تطمئن إلى بقائه إلى الأبد. ما يميزك اليوم قد يصبح غدًا متاحًا للجميع، وما يجعلك متقدمًا على منافسيك قد يصبح سببًا في تأخرك إذا توقفت عن التطوير.
لذلك، لم يعد المطلوب أن تمتلك ميزة تنافسية فقط، بل أن تمتلك القدرة على تجديدها باستمرار.
وهنا يأتي دور التعلم، ومتابعة إشارات السوق، والاستماع إلى العميل، وفهم البيانات، والاستفادة من التكنولوجيا. لم يعد كافيًا أن تنتظر حتى ترى التغيير بعينيك؛ يجب أن تتعلم كيف تلتقط إشاراته المبكرة، وتستعد له قبل أن يتحول إلى أزمة.
وبالطبع، لا يعني ذلك أن نتخذ قرارات متسرعة لمجرد أن العالم سريع. السرعة وحدها ليست استراتيجية، مثلما أن البطء ليس حكمة في كل الأحوال. المطلوب أن نعرف متى نتحرك بسرعة، ومتى نتوقف لنفكر، ومتى نغير الطريق، ومتى نتمسك بالوجهة رغم الصعوبات.
وهذا لا يخص الشركات الكبرى وحدها. ينطبق على صاحب المشروع الصغير، وعلى المدير، وعلى الموظف، وحتى على الإنسان الذي يخطط لمستقبله المهني.
كلنا لدينا واقع نعيشه، ووجهة نريد الوصول إليها، وموارد محدودة، وطرق متعددة، وظروف لا نملك السيطرة عليها بالكامل.
وكلما فهمنا واقعنا بصورة أفضل، وحددنا أهدافنا بوضوح، وراجعنا قراراتنا باستمرار، زادت فرصنا في الوصول.
لكن هل يمكن أن نصل إلى استراتيجية كاملة لا ينقصها شيء؟ هل يمكن أن نخطط لكل الاحتمالات، ونحسب كل المخاطر، ونتأكد من أن كل قراراتنا ستكون صحيحة؟
الحقيقة أن الكمال لله وحده.
وأتذكر هنا كلمات الشاعر مصطفى إبراهيم:
«يا خالق كل شيء ناقص كمالته معاك».
ربما يكون أجمل ما في هذه الفكرة أننا لا نحتاج إلى استراتيجية كاملة بقدر ما نحتاج إلى استراتيجية جيدة، قابلة للتعلم والتطوير والتغيير.
طلب الكمال قد يعطلنا، لأننا نظل نبحث عن القرار المثالي، والوقت المثالي، والظروف المثالية، بينما يتحرك العالم من حولنا. وقد نكتشف بعد فوات الأوان أننا انشغلنا بإعداد الطريق المثالي، ولم نبدأ الرحلة أصلًا.
نحن لا نملك أن نمنع التغيير، ولا أن نعرف كل ما سيحدث غدًا، لكننا نملك أن نفهم، ونتعلم، ونراجع، ونتحرك، ونعترف عندما نخطئ.
وفي النهاية، الاستراتيجية ليست ورقة نضعها في درج، ولا عرضًا تقديميًا جميلًا نقدمه في اجتماع ثم ننساه. الاستراتيجية قرار مستمر بأن نفهم أين نحن، وأن نعرف إلى أين نريد الذهاب، وأن نملك الشجاعة لتغيير الطريق عندما تتغير الظروف.
فالكمال لله وحده، أما نحن فعلينا أن نسعى، ونتعلم، ونراجع خطواتنا، ونحاول أن نكون أفضل مما كنا عليه بالأمس.
وهذه، في رأيي، ليست فقط استراتيجية ناجحة للأعمال، بل حدوته تستحق أن نحكيها في الحياة أيضًا.








