فى عالم يعانى من فائض إنتاج مزمن فى صناعة الحديد والصلب، لم تعد التجارة الحرة دائمًا تعبيرًا عن كفاءة الأسواق بقدر ما أصبحت أداة لإعادة توزيع الخسائر، فالدول التى تفتح أسواقها أمام كل ما هو مستورد دون أدوات دفاع فعالة لا تستورد منتجات فقط بل تستورد أزمات صناعية مكتملة لمنتجيها المحليين.
ومصر بسوقها الكبير أصبحت واحدة من هذه الوجهات للدول التى تعانى فائضا كبيرا فى منتجات الحديد والصلب وخام البيليت، وللأسف لا تتوافر حماية للمنتج المحلى من هذا الطوفان العالمى الذى يهدد صناعة كبيرة ومحورية فى الاقتصاد المصرى وهى صناعة الحديد والصلب هذه الصناعة الاستراتيجية من حيث حجم صادراتها كمورد للنقد الأجنبى وكمكون محلى ورئيسى فى العديد من الصناعات الثقيلة كالسفن والطائرات والسيارات والأجهزة المنزلية وغيرها وصناعة البناء والتشييد بصفة خاصة.
هذه الصناعة أمام اختبار صعب بين الحفاظ على أسواقها التصديرية فى ظل وجود فائض عالمى لدى الدول الآسيوية تحديدًا، وسوق محلى مفتوح دون أدوات حماية فعالة أمام المستورد مما جعلها فى منافسة غير متكافئة مع المنتج الوارد من الخارج وبين مدخلات إنتاج شبه نهائية تدخل البلاد بأسعار متدنية يستغلها البعض من المصانع التى لا تقوم بكامل عمليات الإنتاج مثل المصانع الكبيرة (المتكاملة)، فيتنافس المنتج الحقيقي مع شبه المنتج.
فى خلال الأعوام الأخيرة، شهدت مصر زيادة ملحوظة فى واردات خام البيليت – وهو منتج شبه نهائي تم تصنيعه بنسبة 85% لإنتاج حديد التسليح – خاصة من دول آسيا وشرق أوروبا، إلى جانب واردات الحديد تام الصنع بأسعار تقل أحيانا عن متوسط التكلفة المحلية.

وفى بعض الفترات، استحوذت الواردات على نحو 20 – 25% من السوق المحلى، وهى نسبة مرتفعة فى سوق يعانى أصلا من فائض طاقة إنتاجية محلية.
ويرى محللون أن جزءا من هذه الواردات يعكس إعادة توجيه للفوائض العالمية، وليس فقط تنافسية سعرية طبيعية، إذ يعانى سوق الصلب العالمى من فائض طاقات إنتاجية يقدر بمئات الملايين من الأطنان مدفوعا بشكل أساسى بالتوسع فى آسيا.
ومع تشديد القيود التجارية فى الاتحاد الأوروبى والولايات المتحدة، تتجه صادرات هذه الدول إلى أسواق نامية مثل مصر، غالبا بأسعار منخفضة مدعومة بعوامل تشمل دعم الطاقة، وتسهيلات التمويل، وأعفاءات ضريبية وسياسات صرف مواتية للمصدرين من هذه الدول.
وتواجه المصانع المصرية قيودا هيكلية تتمثل فى أسعار طاقة أعلى نسبيا، وارتفاع تكلفة التمويل فى ظل أسعار فائدة مرتفعة، إلى جانب تأثر الخامات المستوردة بتقلبات سعر الصرف.
وتشير تقديرات صناعية إلى أن تكلفة إنتاج الطن محليا قد تزيد بنسبة 20-30% على الواردات، ما يحد من القدرة على المنافسة السعرية.. وقد لجأت الدولة فى فترات سابقة إلى فرض رسوم وقائية على واردات الصلب فإن هذه الإجراءات كانت غالبا مؤقتة أو جزئية، كما افتقرت إلى المراجعة الدورية المرتبطة بتغير ظروف السوق، هذا الغياب لإطار مستقر للحماية التجارية خلق حالة من عدم اليقين لدى المستثمرين فى القطاع.

ولا شك أن استمرار الضغط على الصناعة المحلية قد يؤدى إلى خروج بعض الطاقات الإنتاجية من الخدمة، وفقدان وظائف فى قطاع كثيف العمالة، وزيادة الاعتماد على الواردات فى سلعة استراتيجية، فضلا عن تآكل القيمة المضافة المحلية فى قطاع البناء والتشييد، وهى نتائج تتعارض مع أهداف الدولة المعلنة بشأن تعميق التصنيع المحلى وتقليل فجوة الميزان التجاري، ولا تتمثل المعضلة فى إغلاق السوق أمام المستورد بل فى استعادة تكافؤ الفرص.
ويشير خبراء إلى مجموعة من الأدوات الممكنة، تشمل تطبيق إجراءات حماية تجارية مدروسة وفق قواعد منظمة التجارة العالمية، ومراجعة سياسات تسعير الطاقة، ومنح أولوية أوضح للمنتج المحلى فى المشروعات القومية، ودعم التوسع التصديرى خاصة إلى أفريقيا والأسواق الإقليمية.
بجانب تعزيز الطلب المحلى من خلال إعادة تنظيم عمليات البناء فى القرى وضواحى المحافظات وتفضيل المنتج المحلى من خلال اشتراط أن يكون المنتج المستخدم من الحديد والصلب به مكون محلى أكثر من 25% وفقًا لقانون “بلد المنشأ”.
وعلينا أن نتخيل لو لم يكن لدينا صناعة حديد وصلب ونحن نستهلك سنوياً 7.4 مليون طن، لكن بالطبع سنستورد هذه الكمية لتلبية الطلب المحلي وبالتالى تزيد فاتورة الاستيراد بـ 4 مليارات دولار سنوياً، وبينما توفر المصانع المحلية المتكاملة حاجة الطلب المحلى وتساهم فى توريد نقد أجنبى من خلال التصدير.. فإن هذه المصانع لديها طاقات إنتاجية معطلة يمكن لو استغلت أن يصبح إنتاج مصر نحو 16 مليون طن.
ولكن الغريب أن الحكومات المصرية المتعاقبة من 2008 وهى تخفض الرسوم الجمركية على منتجات حديد التسليح إلى صفر% فى وضع فريد من نوعه عالمياً وعدم إخضاع واردات خام البيليت إلى أي حماية جمركية بما يتناقض مع اتجاه الدولة حالياً لتشجيع الصناعة المحلية وتوجيهات الرئيس السيسى بزيادة المكون المحلى للحد من الواردات.
وإذا كان الهدف من فتح السوق أمام الحديد المستورد هو حماية المستهلك فهناك أمور أخرى يمكن استخدامها لضمان سعر عادل للمستهلك تستطيع الدولة أن تضمنه حال قيام المصانع برفع الأسعار دون مبرر أو وجود ممارسات احتكارية مثلما يحدث لباقى السلع.. أما أن تفتح الأسواق دون أى ضوابط لنحمى أشباه المنتجين وتضرر صناعات كبيرة، استثماراتها تتجاوز مئات المليارات وتوفر عشرات الآلاف من فرص العمل وتحقق أكبر أرقام صادرات.
فی وقت تتشدد دول الاتحاد الأوروبى وأمریکا فى فرض قيود تجارية أمام صادراتنا من الحديد والصلب فإننا لا نساعد صناعاتنا بل نشارك فى الإضرار بها، إن استخدام أدوات الحماية للصناعة المحلية أمر ضرورى وليس عيباً أو أمر نخجل من القيام به، بل قواعد وقوانين التجارة الدولية تسمح لنا بهذا فلماذا لا نستخدمه؟.
وعلينا ونحن ننظر فى استخدام أدوات الحماية التجارية إلى أن الدولة فى حاجة لصناعة قوية واستراتيجية مثل صناعة الحديد والصلب فهى ليست قطاع اقتصادي بل اختبار لقدرة الدولة على إدارة الانفتاح التجارى بوعى وفى عالم لا يعمل وفق قواعد مثالية.. وبالتالى فإن ترك الصناعة المحلية فى مواجهة فائض عالمى مدعوم هو خيار سياسى بقدر ما هو اقتصادى.. ويبقى السؤال مطروحًا هل تريد مصر صناعة صلب قادرة على الصمود أم سوقًا مفتوحا لتصريف فائض الآخرين؟








