ما المسار التنموي الأكثر موثوقية في اقتصاد عالمي يزداد انقساماً وتشظياً؟ تقدم الصين والهند، وهما أكبر دولتين في العالم من حيث عدد السكان، إجابتين مختلفتين عن هذا السؤال. لكن هل تستطيع دول أخرى أن تحذو حذوهما؟
تبنت الصين نموذج التنمية التقليدي الذي يضع التصنيع في صدارة الأولويات، وسعت إلى إبقاء حصة الصناعات التحويلية من الناتج المحلي الإجمالي عند مستوى يقارب ضعف المعدل المسجل في الاقتصادات المتقدمة.
في المقابل، قفزت الهند مباشرةً إلى نموذج نمو تقوده الخدمات، متجاوزةً مرحلة بناء قاعدة صناعية واسعة.
غير أن المقارنة بين التجربتين، استناداً إلى بيانات تمتد لعقد كامل من قاعدة بيانات التجارة بالقيمة المضافة التابعة لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، تكشف نتائج تبعث على الحذر. إذ لا يبدو أي من النهجين حلاً جاهزاً يمكن نقله وتطبيقه بسهولة، فكلاهما ينطوي على مواطن ضعف هيكلية يتعين على الدول النامية المعاصرة توقعها والاستعداد لها.
دخلت الصين والهند العقد الممتد من عام 2012 إلى عام 2022 من موقعين يحتلان طرفي نقيض.
كانت الصين أكبر مصدّر للسلع المصنعة في العالم، واستحوذت الصناعات التحويلية على نحو 32% من ناتجها المحلي الإجمالي، أي أكثر من ضعف حصتها في الاقتصادات الأوروبية المتقدمة.
نيودلهي توضح أن نمو الخدمات المتقدمة لا يكفي لدمج ملايين العمال في اقتصاد أكثر إنتاجية واستدامة
وفي الوقت نفسه، مثلت الخدمات 44% من الناتج المحلي الإجمالي، وهي نسبة منخفضة على نحو غير معتاد مقارنةً بمستوى دخل الصين.
أما الهند، فكانت الخدمات تولّد بالفعل نحو نصف الناتج المحلي الإجمالي، مدفوعةً بصادرات البلاد القادرة على المنافسة عالمياً في مجالي تكنولوجيا المعلومات والبرمجيات.
في المقابل، لم تتجاوز حصة الصناعات التحويلية 18% من الناتج المحلي الإجمالي، وكانت صغيرة وآخذة في الانكماش، بينما ظل نصف القوى العاملة الهندية يعمل في قطاع الزراعة منخفض الإنتاجية.
كما استمر ضعف تمويل البنية التحتية العامة، وظلت الإصلاحات موضع خلافات حادة.
اتبعت حكومتا البلدين خلال ذلك العقد استراتيجيات تنموية مدروسة.
فقد ضخ برنامج “صنع في الصين 2025″، الذي أُطلق عام 2015، مئات المليارات من الدولارات في عشرة قطاعات استراتيجية، بهدف الحفاظ على الحصة المرتفعة للصناعات التحويلية من الناتج الصيني، والارتقاء بالقدرات التكنولوجية للاقتصاد.
أما الهند، فحاولت تنفيذ مهمة أكثر صعوبة، تمثلت في إحياء الصناعات التحويلية من خلال حملة “صنع في الهند” التي أطلقتها عام 2014، ثم بدأت منذ عام 2020 تقديم حوافز مرتبطة بالإنتاج بقيمة 26 مليار دولار موزعة على 14 قطاعاً.
وبعد مرور عقد، جاءت النتائج أكثر تعقيداً مما توحي به الروايتان الرسميتان، بحسب موقع “بروجكت سنديكيت”.
فقد تمكنت الصين من تثبيت حصة الصناعات التحويلية من الناتج عند نحو 29% من الناتج المحلي الإجمالي، لكن الأتمتة قطعت الصلة التقليدية بين نمو الإنتاج الصناعي وزيادة التوظيف.
مقارنة البلدين تكشف عن أن التصنيع والخدمات لا يوفران وصفة جاهزة للتنمية في الاقتصادات الناشئة
ومع انتقال الغالبية الساحقة من عمال المصانع الذين فقدوا وظائفهم إلى قطاع الخدمات، ارتفعت حصة هذا القطاع إلى نصف الناتج المحلي الإجمالي ونحو 48% من إجمالي التوظيف.
إلا أن معظم الوظائف الجديدة تركز في تجارة التجزئة والضيافة والخدمات الشخصية منخفضة الإنتاجية، بدلاً من الأنشطة كثيفة المعرفة.
في الوقت نفسه، تضاعفت القيمة المضافة لكل عامل خمس مرات في قطاع النقل المائي، وارتفعت إلى نحو ثلاثة أمثالها في قطاع الاتصالات، ليس نتيجة توسع واسع في التوظيف، بل بفعل الاندماج والأتمتة كثيفي رأس المال.
ومع اقتراب الصين من بلوغ مصاف الاقتصادات مرتفعة الدخل، باتت قواها العاملة تتركز بصورة متزايدة في مجال، بينما يتركز نمو الإنتاجية في مجال آخر.
أما تجربة الهند، فتعكس المشكلة في اتجاه معاكس. فقد حقق قطاع الخدمات المعرفية الرائد نمواً لافتاً، إذ ارتفعت القيمة المضافة لكل عامل في برمجة الحاسوب وخدمات المعلومات إلى نحو ثلاثة أمثالها، بالتزامن مع زيادة اندماج القطاع في سلاسل القيمة العالمية خمسة أضعاف.
لكن الصناعات المعرفية في الهند باتت تبدو بصورة متزايدة كجيب معزول، في ظل ضعف ارتباطها ببقية مكونات الاقتصاد المحلي.
ومع تدفق العوائد بوتيرة متزايدة إلى رأس المال بدلاً من العمال، انهارت حصة العمل من إجمالي القيمة المضافة من نحو 26% عام 2012 إلى قرابة 11% عام 2022.
وفضلاً عن ذلك، يظل قطاع المعرفة الهندي أصغر من أن يؤدي الدور الذي لعبته الصناعات التحويلية لدى الدول التي سبقت الهند في مسار التصنيع.
فعلى الرغم من الحوافز التي قدمتها حملة “صنع في الهند”، تراجعت حصة الصناعات التحويلية من الناتج المحلي الإجمالي إلى نحو 16% بحلول عام 2022، وظل ما يقارب نصف العمال الهنود يعملون في الزراعة.
وخارج قطاع تكنولوجيا المعلومات، تفرض الخدمات في الهند مفاضلة حادة. فالقطاعات الفرعية القادرة على استيعاب أعداد كبيرة من العمال لا تملك سوى إمكانات محدودة لتحقيق مكاسب في الإنتاجية، بينما تظل القطاعات الفرعية الأعلى قدرةً على رفع الإنتاجية أصغر من أن تستوعب العمالة على نطاق واسع.
يكمن الدرس الأعمق في أن أياً من هذين المسارين لم يعد متاحاً للدول النامية اليوم بالصورة نفسها.
فقد استند صعود الصين القائم على التصنيع إلى نقل مئات الملايين من العمال من المزارع إلى المصانع كثيفة العمالة والموجهة للتصدير، لكن الروبوتات والذكاء الاصطناعي يعملان باطراد على تقويض هذه الآلية.
كما اعتمد صعود الهند القائم على الخدمات على تلاقٍ يصعب تكراره بين التعليم باللغة الإنجليزية، وشبكات الجاليات الهندية في الخارج، وميزة الريادة المبكرة في قطاع البرمجيات.
وبدلاً من تقديم نموذج جاهز يمكن اتباعه، لا تتيح المسارات الصينية والهندية سوى إشارات تحذيرية.
فعلى الحكومات التي تفكر في سلوك طريق التصنيع لتحقيق التنمية أن تتوخى الحذر. ذلك أن الانفصال الكامل بين الإنتاج والتوظيف يجعل تقييم السياسة الصناعية استناداً إلى حصة الناتج وحدها أمراً قد يبالغ في تقدير قدرتها على خلق الوظائف.
الروبوتات والذكاء الاصطناعي يقوضان قدرة المصانع على تكرار تجربة الصين القديمة في خلق الوظائف
كما يميل العمال الذين يفقدون وظائفهم إلى الانتقال إلى أعمال منخفضة الإنتاجية، كما حدث في “فخ الخدمات المحلية” في الصين، بدلاً من الالتحاق بوظائف معرفية، ما لم تتوافر سياسات تستهدف بناء المهارات والتغلب على القيود الجغرافية.
إضافةً إلى ذلك، يتطلب الحفاظ على حصة مرتفعة للصناعات التحويلية عادةً توجيه الدولة لعملية تخصيص رأس المال، وهو ما يفضي بدوره إلى سوء خطير في توزيع الموارد وإهدارها، بما يمثل خطراً كبيراً على الدول التي تفتقر إلى القوة المالية التي تتمتع بها الصين.
وأخيراً، نظراً إلى أن القدرة التنافسية للصناعات التحويلية تعتمد في نهاية المطاف على الخدمات الداعمة، مثل الخدمات اللوجستية والتمويل والاتصالات، فإن بناء المصانع من دون تطوير القدرات الأخرى قد يحاصر الاقتصاد في أعمال التجميع منخفضة القيمة.
أما الحكومات التي تنجذب إلى المسار القائم على الخدمات، فتواجه قيوداً مختلفة، لكنها لا تقل صعوبة.
أولاً، يحمل الاعتماد على القطاعات القادرة على استيعاب أعداد كبيرة من العمال، مثل تجارة التجزئة المحلية والضيافة والخدمات الشخصية، خطر الوقوع في فخ انخفاض الإنتاجية.
كما يمكن لقطاع خدمات يُنظر إليه على أنه “ناجح” أن يوجه مكاسب الإنتاجية بصورة أساسية إلى المساهمين، من خلال وفورات الحجم والأتمتة وتزايد العوائد على رأس المال، ما قد يؤدي إلى انفصال حصة العمال من الدخل عن نمو الإنتاجية.
وبدون سياسات مدروسة لبناء الروابط بين القطاعات، قد تتحول الأنشطة مرتفعة الإنتاجية إلى جيوب معزولة تحقق صادرات لافتة، لكنها لا تترك سوى آثار محدودة في بقية الاقتصاد، وهو ما تبرهن عليه بصورة متزايدة طفرة تكنولوجيا المعلومات في الهند.
ولأن الإنتاجية لا تتفاوت كثيراً بين القطاعات الفرعية للصناعات التحويلية، بينما تتباين على نطاق واسع بين قطاعات الخدمات، فإن إعادة توزيع العمالة لا ترفع الإنتاجية الإجمالية إلا إذا انتقل العمال إلى القطاعات المناسبة.
غير أن هذه القطاعات تكون عادةً الأقل قدرةً على استيعاب أعداد كبيرة منهم.
ويتمثل الدرس المشترك المستخلص من التجربتين الصينية والهندية في أن التنمية، سواء قادتها الصناعات التحويلية أو الخدمات، لا يمكن أن تنجح، بصرف النظر عن الموارد المتاحة، من دون سياسات تعالج إخفاقات التنسيق في الأسواق.
فلا بد من تحقيق المواءمة بين المهارات والبنية التحتية والمؤسسات والدعم القطاعي، إذ تعزز هذه المكونات بعضها بعضاً، بينما يؤدي توافر بعضها في غياب الآخر إلى نشوء اختلالات اقتصادية.
يتمثل إخفاق الصين في الوقوع في فخ الخدمات المحلية، بينما يتمثل إخفاق الهند في انعزال الخدمات مرتفعة القيمة.
ويمكن تجنب كلا المسارين، لكن ذلك يتطلب من الحكومات توقع هذه المخاطر والتخطيط لمواجهتها على نحو مسبق.








