التحول الرقمى فى قطاع الدواء ضرورة لا خلاف عليها، لكن خطورة هذا القطاع تفرض ألا تُقاس كفاءة المنصات الرقمية بحسن النوايا أو كثرة البروتوكولات، وإنما بنتائج قابلة للقياس: هل حسّنت الخدمة؟ هل منعت الاحتكار؟ هل ضمنت استمرارية الإتاحة؟ وهل أتاحت التكامل العادل مع مختلف مقدمى الحلول؟
وعند مراجعة ما نُشر عن شركة «داف للحلول الرقمية»، تظهر ثلاثة ملفات تستحق التوقف أمامها، لا بقصد الاتهام أو إصدار الأحكام، وإنما للمطالبة بالشفافية والمحاسبة الفنية قبل إسناد أدوار أوسع تمس الأمن الدوائى للمصريين.
أولاً: عرض الشراكة مع اتحاد نقابات المهن الطبية فى يونيو 2022. ثار جدل حول عرض يقضى بدخول اتحاد نقابات المهن الطبية شريكاً فى شركة «داف»، من خلال شراء نسبة 24% مقابل 50 مليون جنيه.
وأعلنت نقابة الأطباء رفضها العرض، وقالت، وفقاً لما نقلته وسائل إعلام، إن سابقة أعمال الشركة وخبراتها ـ بحسب تقدير النقابة وقتها ـ لا تتناسبان مع القيمة المطروحة، كما كلفت ممثليها فى الاتحاد برفض الدخول فى الشراكة.
وفى المقابل، أوضح اتحاد نقابات المهن الطبية حينها أن العرض كان لا يزال قيد الدراسة، ونفى اتخاذ قرار نهائى أو إهدار أموال المعاشات.
ثم أعلن مجلس الاتحاد فى أغسطس 2022 رفض الشراكة ووقف المفاوضات.
وهنا لا نتهم أحداً، لكن الواقعة تطرح أسئلة مشروعة:
ـ ما أسس التقييم المالى والفنى التى بُنى عليها عرض الخمسين مليون جنيه؟
ـ هل أُجرى فحص فنى ومالى مستقل للشركة؟
ـ لماذا انتهت المفاوضات بالرفض بعد الجدل الذى أثارته داخل النقابات؟
ـ وهل نُشرت نتائج الدراسة التى استند إليها قرار الرفض؟
إن تعلق الأمر بأموال معاشات أعضاء أربع نقابات طبية يجعل نشر نتائج التقييم ضرورة لحماية جميع الأطراف، وليس تشهيراً بأى طرف.
ثانياً: تجربة تطبيق توزيع بنج الأسنان مع أزمة نقص بنج الأسنان خلال عام 2022. أعلنت نقابة أطباء الأسنان الاتفاق على إنشاء منصة إلكترونية لتنظيم التوزيع، بهدف منع التسرب إلى السوق السوداء، وتحقيق العدالة بين الأطباء.
وأصبح تطبيق النقابة، المطور بواسطة «داف»، إحدى قنوات طلب المستلزمات وبنج الأسنان.
لكن الأزمة لم تختفِ نهائياً، ففى نوفمبر 2022 أعلنت النقابة نفسها أنها تتابع شكاوى الأعضاء المتعلقة بطرق صرف البنج وتعمل على إيجاد حلول لها.
وفى عام 2025 عادت أزمة الإتاحة إلى الواجهة، وظهرت تفسيرات متعارضة:
ـ نقيب أطباء الأسنان أكد أن التطبيق ساعد فى التوزيع بصورة عادلة ومنتظمة.
ـ بينما نُشرت تصريحات منسوبة إلى عضو بمجلس النقابة انتقد فيها إدارة التوزيع الإلكترونى، وقال إن النظام لم يمنع وجود مشكلات فى الإتاحة، وطالب بعدم ربط منتج دوائى استراتيجى بقناة إلكترونية واحدة يمكن أن تتعرض للأعطال أو التوقف.
ـ فى المقابل، أرجع آخرون الأزمة إلى أسباب إنتاجية وتسعيرية، مثل توقف الاستيراد، وعدم كفاية الإنتاج المحلى، والخلاف على تسعير المستورد، وليس إلى التطبيق وحده.
التحول الرقمى فى قطاع الدواء ضرورة.. لكن خطورة القطاع تفرض ألا تُقاس كفاءة المنصات بحسن النوايا
إذن، لا توجد أدلة منشورة تسمح بتحميل «داف» وحدها مسئولية نقص البنج. لكن استمرار الأزمة رغم وجود منظومة إلكترونية يفرض سؤالاً مختلفاً:
هل كانت المنصة مجرد وسيلة لتلقى الطلبات، أم كانت منظومة حقيقية قادرة على مراقبة المخزون، وكشف الاختناقات، وضمان التوزيع العادل، وإصدار إنذار مبكر قبل حدوث النقص؟
فالرقمنة لا تصنع الدواء ولا تعالج نقص الإنتاج، لكنها يجب أن تكشف الأزمة مبكراً، وتوضح أين توجد الكميات، وكيف وُزعت، ومن حصل عليها، وما أسباب عدم وصولها إلى باقى الأطباء.
ومن حق أعضاء النقابة معرفة:
ـ إجمالى الكميات التى دخلت المنصة.
ـ عدد العبوات التى وُزعت فعلياً.
ـ الحصص المخصصة لكل طبيب ومحافظة.
ـ الرسوم ومصاريف الشحن والخدمات الإلكترونية.
ـ حالات توقف التطبيق أو فشل الطلبات.
ـ الجهة المسئولة عن الرقابة على التوزيع.
ـ ما إذا كان التعاقد حصرياً، ومدته، ومعايير تجديده.
ثالثاً: منظومة التتبع الدوائى القومية. فى أكتوبر 2024 أُعلن توقيع بروتوكول تعاون بين «داف» وGS1 Egypt لإطلاق مشروع التتبع الدوائى تحت رعاية هيئة الدواء المصرية.
وفى فبراير 2026 بدأ التطبيق الفعلى المحدود، وبحسب تقرير صحفى نُشر وقتها شمل التشغيل الأولى 25 صنفاً مستورداً، ونحو 18 ألف عبوة، عبر الشركة المصرية لتجارة الأدوية و30 صيدلية إسعاف.
وفى مارس 2026 عقدت هيئة الدواء محاضرات تعريفية بحضور ممثلى «داف» لشرح الترميز والتجميع وتبادل البيانات والأكواد المكانية.
ثم أعلنت الهيئة فى أغسطس 2026 بدء المرحلة الثانية الخاصة بالأدوية المحلية، مع الإشارة إلى أن التطبيق الكامل على نحو 12 ألف صنف قد يستغرق من ثلاث إلى خمس سنوات.
هذه خطوات مهمة، ولا يجوز إنكارها، لكن حجم المشروع القومى يفتح مجموعة من الأسئلة التى لا تزال بحاجة إلى إجابات منشورة:
ـ ما مؤشرات الأداء الفعلية منذ بدء التشغيل؟
ـ كم عدد الشركات والمخازن والصيدليات المرتبطة فعلياً؟
ـ كم عدد العبوات التى تم تتبعها من الإنتاج إلى الصرف؟
ـ كم واقعة غش أو نسخ أو تداول غير مشروع اكتشفتها المنظومة؟
ـ ما نسبة الأعطال ووقت الاستجابة؟
ـ هل تقبل المنظومة أكواد جميع مقدمى خدمات التكويد المطابقة للمواصفات؟
ـ هل توجد واجهات ربط معلنة وواضحة تسمح بالتكامل دون تمييز؟
ـ ما الجهة المستقلة التى تختبر النظام أمنياً وفنياً؟
ـ هل توجد خطة لاستمرارية العمل حال توقف المزود التقنى؟
ـ من يملك البيانات، ومن يستطيع الوصول إليها، وكيف تُحمى؟
ـ ما التكلفة الإجمالية للمشروع والعقود والتراخيص والصيانة؟
الأهم أن نجاح المنظومة القومية لا يُقاس بمجرد طباعة كود ثنائى الأبعاد على العبوة، بل بقدرتها على تتبع كل حركة فعلية، وقبول التكامل مع البدائل الوطنية المؤهلة، ومنع تحول البنية القومية إلى نظام مغلق يعتمد على مزود واحد أو معيار تجارى واحد.
السؤال ليس: هل «داف» جيدة أم سيئة؟
الطرح المهنى ينبغى ألا يتحول إلى خصومة شخصية مع شركة، ولا إلى اتهامات غير مستندة إلى أحكام أو تقارير رقابية. السؤال الصحيح هو: هل خضعت تجارب الشركة السابقة والحالية لتقييم فنى ومالى مستقل ومعلن قبل توسيع دورها فى منظومة تمس سوق الدواء بأكملها؟
رفض اتحاد المهن الطبية للشراكة كان قراراً معلناً يحتاج إلى نشر أسبابه التفصيلية. وتجربة بنج الأسنان شهدت آراء متعارضة وشكاوى معلنة تحتاج إلى تقرير أداء.
أما منظومة التتبع الدوائى، فهى مشروع قومى يتطلب شفافية أعلى من أى مشروع تجارى عادى.
الرقمنة الحقيقية لا تخشى المنافسة، ولا تغلق أبواب التكامل، ولا تكتفى بالتصريحات.
الرقمنة الحقيقية تنشر أرقام الأداء، وتحدد المسئوليات، وتقبل الاختبار المستقل، وتضع بدائل لاستمرارية الخدمة.
لذلك نطالب هيئة الدواء المصرية والجهات المعنية بنشر:
1. نطاق تعاقد «داف» ومسئولياتها الفنية بدقة.
2. التكلفة الإجمالية ومؤشرات الأداء والتوقيتات الملزمة.
3. نتائج التشغيل الفعلى لمنظومة التتبع.
4. سياسة قبول وربط مقدمى خدمات التكويد المختلفين.
5. تقارير الأعطال والأمن السيبرانى واستمرارية الأعمال.
6. تقييم مستقل لتجربة توزيع بنج الأسنان.
7. الضمانات التى تمنع الاحتكار التقنى أو تقييد المنافسة.
هذه الأسئلة لا تدين أحداً، لكنها تحمى الجميع: الدولة، والشركات، والأطباء، والصيادلة، والمريض المصرى.
فالمنظومات القومية لا تُحمى بالصمت، وإنما بالشفافية والمنافسة والمراجعة المستقلة.








