تراجع “اليوان” يعزز القدرة التنافسية للصادرات ويعمق اختلال التوازن بين الإنتاج والاستهلاك المحلي
تواصل الصين ترسيخ اعتمادها على نموذج النمو القائم على الصادرات، باعتباره ركيزة أساسية في استراتيجيتها الاقتصادية طويلة الأجل، في وقت ترى فيه القيادة في بكين أن المواجهة التجارية مع الولايات المتحدة خلال السنوات الأخيرة أثبتت صلابة هذا النموذج وقدرته على الصمود أمام الضغوط الخارجية.
ففي مؤتمرات حكومية رفيعة المستوى، يعكس الخطاب الرسمي ثقة متزايدة بأن التخطيط المركزي الموجَّه من الدولة، ولاسيما عبر الخطط الخمسية، يوفر استقراراً واستمرارية في السياسات لا تستطيع الاقتصادات الغربية، القائمة على دورات سياسية متقلبة.
تنظر بكين إلى حرب الرسوم الجمركية مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب باعتبارها اختباراً عملياً كشف حدود قدرة واشنطن على كبح الصعود الصناعي الصيني.
فرغم الرسوم الجمركية والقيود، واصلت الصادرات الصينية التوسع، مدعومة باستثمارات ضخمة في الصناعات عالية التقنية، وبسياسات تهدف إلى تحقيق قدر أكبر من الاكتفاء الصناعي والتكنولوجي.
ترى القيادة الصينية، أن الهدنة التجارية التي انتهت إليها المواجهة تمثل اعترافاً ضمنياً بأن الاقتصاد الصيني بات يمتلك أدوات ضغط فعالة، من بينها السيطرة على سلاسل توريد استراتيجية مثل المعادن الأرضية النادرة، حسب ما ذكرته صحيفة «فاينانشيال تايمز».
هذا التقييم الإيجابي يدفع الصين إلى تسريع خطواتها في إطار خطتها الخمسية المقبلة للفترة من 2026 إلى 2030، التي تستهدف توسيع الهيمنة الصناعية من القطاعات التقليدية، كالصُلب والصناعات التحويلية منخفضة التكلفة، إلى مجالات المستقبل، وفي مقدمتها الذكاء الاصطناعي، والروبوتات، والطاقة النظيفة.
ووفقا لمحللين، قد يؤدي ذلك إلى رفع حصة الصين من الإنتاج الصناعي العالمي إلى مستويات غير مسبوقة، بما يعزز موقعها كمركز ثقل رئيسي في الاقتصاد العالمي.
غير أن هذا المسار الخارجي القوي يتزامن مع اختلالات داخلية متزايدة، فالاقتصاد الصيني يواجه تباطؤاً واضحاً في الطلب المحلي، نتيجة ركود ممتد في سوق العقارات، وتراجع ثقة الأسر، وضعف الإنفاق الاستهلاكي.
هذا الوضع أدى إلى ضغوط انكماشية مستمرة، انعكست في انخفاض الأسعار وتباطؤ نمو الأجور، ما يفرض تحدياً معقداً على صُناع السياسات الذين يسعون إلى الحفاظ على زخم الصادرات، وفي الوقت نفسه منع تفاقم التباطؤ الداخلي.
يحاول صُناع القرار في بكين معالجة هذا التناقض عبر مزيج من السياسات، يشمل ضخ سيولة إضافية، وتخفيف بعض القيود التنظيمية، وإطلاق برامج دعم محدودة للأسر، إلا أن هذه الإجراءات لم تنجح حتى الآن في إحداث تحول ملموس في المعنويات الاقتصادية.
تشير بيانات حديثة إلى أن نمو مبيعات التجزئة لا يزال ضعيفاً، في حين تواصل الاستثمارات العقارية التراجع، ما يحد من قدرة الاقتصاد على توليد طلب داخلي قوي يعوض الاعتماد المتزايد على الأسواق الخارجية.
في هذا السياق، تتصاعد الانتقادات الدولية للسياسات الصينية، لاسيما في أوروبا، حيث تتزايد المخاوف من اتساع الفوائض التجارية واختلال ميزان المنافسة.
تؤكد عواصم أوروبية أن الدعم الحكومي المكثف للصناعة الصينية، إلى جانب القيود المفروضة على دخول الشركات الأجنبية لبعض القطاعات، يخلق بيئة غير متكافئة، تدفع الشركات الأوروبية إلى فقدان حصصها السوقية داخل الصين وخارجها، كما يفاقم ضعف العملة الصينية هذه المخاوف، إذ يعزز القدرة التنافسية للصادرات الصينية في الأسواق العالمية.
تشير تقديرات اقتصادية إلى أن الانخفاض الحقيقي في سعر صرف اليوان، المدفوع بالانكماش المحلي، لعب دوراً محورياً في زيادة أحجام الصادرات، حتى في ظل تباطؤ الطلب العالمي.
فبينما ارتفعت صادرات الصين من حيث الكميات بشكل ملحوظ منذ 2020، لم تشهد الواردات نمواً مماثلاً، ما يعكس اختلالاً هيكلياً بين الإنتاج والاستهلاك.
وترى مؤسسات بحثية دولية أن هذا الاتجاه مرشح للاستمرار في ظل محدودية الجهود الصينية لمعالجة جذور الانكماش.
في المقابل، تراهن بكين على أن قوتها المتنامية في سلاسل التوريد العالمية ستحد من قدرة الشركاء التجاريين على اتخاذ إجراءات حمائية فعالة، فالصين تسيطر على حلقات أساسية في صناعات استراتيجية، مثل البطاريات، ومكونات السيارات الكهربائية، والمواد الفعالة لصناعة الأدوية، ما يمنحها نفوذاً يصعب تجاهله.
وقد أظهرت تجارب سابقة أن محاولات فرض قيود صارمة على التجارة مع الصين قد ترتد سلباً على الاقتصادات التي تتخذها، من خلال ارتفاع التكاليف وتعطّل الإمدادات.
هذا الواقع يضع الاقتصادات الناشئة في موقف أكثر هشاشة، إذ تعتمد كثير منها على المدخلات الصينية لدعم صناعاتها المحلية، لكنها في الوقت نفسه تواجه منافسة حادة من الواردات الصينية منخفضة التكلفة، ما يهدد القاعدة الصناعية المحلية في تلك الدول.
يرى خبراء أن هذا التحدي قد يكون أشد وطأة على الدول النامية من تأثير الرسوم الجمركية الأمريكية، نظراً لعمق اندماجها في سلاسل التوريد الصينية.
رغم الخطاب الرسمي المتفائل في بكين، تعكس المشاهد اليومية داخل الصين صورة أكثر تعقيداً، ففي مدن تاريخية وسياحية، يتحدث أصحاب الأعمال الصغيرة عن تراجع المبيعات وضعف الإنفاق، حتى مع عودة النشاط السياحي.
يشير ذلك إلى فجوة متزايدة بين الأداء القوي لقطاع التصدير، والركود الذي يعيشه الاقتصاد المحلي، وهي فجوة يدركها بعض المستشارين الحكوميين الذين يحذرون من مخاطر استمرار الانكماش لفترة طويلة.
لفت مسئولون اقتصاديون إلى أن استمرار تراجع الأسعار يخلق تشوهاً في قراءة المؤشرات الاقتصادية، إذ تبدو الأرقام الكلية أفضل مما يشعر به المواطنون والشركات على أرض الواقع.
فالانكماش يضغط على هوامش الأرباح، ويزيد العبء الحقيقي للديون، ما يقيد قدرة القطاع الخاص على الاستثمار والتوسع.
في ظل هذه الظروف، تتزايد الدعوات داخل الأوساط البحثية الصينية لإعادة توجيه جزء أكبر من الإنفاق العام نحو الخدمات الاجتماعية، بما يعزز دخل الأسر ويدعم الاستهلاك، لكن حتى الآن، لا يبدو أن القيادة الصينية مستعدة لإجراء تحول جذري بعيداً عن النموذج القائم على الاستثمار والتصنيع والتصدير.
فصُناع السياسات يرون في هذا النموذج قصة نجاح مكنت الصين من تعزيز نفوذها الاقتصادي العالمي، ويعتقدون أن التحديات الداخلية يمكن إدارتها دون التخلي عن المسار الأساسي، كما أن التوترات الجيوسياسية، ولا سيما مع الولايات المتحدة، تعزز القناعة بأن الحفاظ على قاعدة صناعية قوية ومكتفية ذاتياً يمثل أولوية استراتيجية.
في المحصلة، يعكس إصرار الصين على مضاعفة تمسّكها بنموذج النمو القائم على الصادرات مزيجاً من الثقة في القدرات الصناعية، والقلق من هشاشة الطلب المحلي، والرغبة في تحصين الاقتصاد ضد الضغوط الخارجية.
بينما يوفر هذا النموذج زخماً قوياً على الساحة العالمية، فإنه يترك تحديات داخلية مفتوحة، تتعلق بالتوازن بين الإنتاج والاستهلاك، وبالقدرة على تحقيق نمو أكثر شمولاً واستدامة.
ويبقى السؤال المطروح أمام بكين وشركائها التجاريين هو إلى أي مدى يمكن لهذا المسار أن يستمر، دون أن يفرض تكاليف اقتصادية وسياسية يصعب احتواؤها على المدى المتوسط.








