“حتى لو كانت شركات النفط الأمريكية مستعدة لإعادة الاستثمار هنا، فإن العقبات كبيرة جداً”
الرأي السائد هو أن مستقبل صناعة النفط الفنزويلية قاتم، أما أنا فأخالف هذا الرأي. يقال إن أي زيادة في الإنتاج بعيدة المنال وتتطلب استثمارات ضخمة، لكن الواقع أعقد من هذا التبسيط.
هناك وفرة في النفط سهل الإنتاج في البلاد، وهو عالي الجودة وسهل الاستخراج نسبياً، ويمهد الطريق لتحقيق مكاسب سريعة في إعادة إحياء البنية التحتية النفطية المتهالكة.
بالتأكيد، أتحدث عن انتعاش متواضع: إضافة مئات آلاف البراميل يومياً بدل الملايين اللازمة لرفع إنتاج فنزويلا إلى ذروته في أوائل السبعينيات وأواخر التسعينيات. لكن يمكن تشغيل هذا الإنتاج بسرعة وفقاً لمعايير صناعة النفط -لنقل من 12 إلى 18 شهراً- بلا تكاليف باهظة، وستشارك شركات النفط الأمريكية في هذا المسعى.
هل سيزداد الإنتاج بمقدار 700 ألف برميل إضافية يومياً، كما بيّن وزير الطاقة الأمريكي كريس رايت؟ قد يكون في هذا مبالغةً، وأنا أميل أكثر إلى توقع زيادة إنتاج تتراوح بين 300 ألف إلى 500 ألف برميل يومياً بحلول منتصف 2027 إذا سارت الأمور على ما يرام.
ما تزال هذه كمية كبيرة من النفط. إذ ستؤدي أي زيادة في الإنتاج في سوق تعاني أصلاً من فائض في المعروض إلى انخفاض الأسعار، وإلى الإضرار بمنظمة أوبك.
لكن الرأي السائد الذي يقول إن فنزويلا تملك كميات هائلة من النفط الخام منخفض الجودة ويصعب استخراجه صائب، وكذلك حجة المتشائمين القائلة إن تطوير هذه الاحتياطيات سيستغرق على الأرجح عقداً، وربما تبلغ تكاليفه 100 مليار دولار من الاستثمارات. ستكون المكاسب ضخمة، لكن التحديات كذلك أيضاً.
إن فهم الفرق بين النفط الأسهل والأصعب استخراجاً أمر بالغ الأهمية عند تقييم إمكانات فنزويلا.
للأسف، تركز معظم النقاش على النفط الأصعب. كما يعد هذا التباين حاسماً لفهم الدور الذي قد تلعبه الشركات الأمريكية.
تأكدوا من أمر واحد: إنهم مهتمون بفنزويلا، بغض النظر عن أي تحفظات عامة. وإلا، فلماذا كافحت ”شيفرون“، أكبر شركة نفط أمريكية بعد ”إكسون موبيل“، بشراسة للبقاء في البلاد على مدى السنوات الخمس والعشرين الماضية؟ أنا أتوقع أن تسعى ”شيفرون“ في الأشهر المقبلة إلى دور أكبر هناك.
يرى أصحاب نظرية المؤامرة بصمات شركات النفط الكبرى في مناورة الرئيس دونالد ترامب في فنزويلا، تماماً كما فعلوا عندما غزت قوات جورج دبليو بوش العراق.
لا أعتقد أن الشركات كانت على دراية تامة بما كان يخطط له ترامب. لكن بحلول أواخر نوفمبر وأوائل ديسمبر، كان كل من له شأن في صناعة النفط الأمريكية يعتقد أن الإطاحة بنيكولاس مادورو باتت مسألة متى وكيف فحسب. بل إن كثير ممن تحدثت إليهم ظنوا أن الأمر سيقع خلال أسابيع.
ما الذي تقوله جغرافيا البلاد؟
لفهم ما سيحدث الآن، لا بد من النظر إلى الجغرافيا والجيولوجيا. تقع فنزويلا على خريطة نفطية معقدة تشكلت على مدى قرن من التنقيب والاستغلال.
لتبسيط الأمر، دعوني أقسم مواردها إلى قسمين: حقول النفط التقليدية حول بحيرة ماراكايبو في غرب فنزويلا وحوض موناغاس في الشرق؛ وما يسمى بحزام أورينوكو في جنوب شرقها، والذي أسميه “النفط غير التقليدي”.
قال إيفان ساندريا، الجيولوجي الفنزويلي والرئيس التنفيذي السابق لشركة ”سييرا أويل أند غاز”، إن “الحلول السريعة” لرفع الإنتاج تكمن في ماراكايبو وموناغاس. أضاف: “سنوات من الإهمال أدت إلى انخفاض حاد في إنتاج النفط، لكن مع إنفاق محدود وظروف مناسبة، يمكن للإنتاج أن يتعافى”.
تضم المنطقة المحيطة بماراكايبو حقول بوليفار الساحلية، وهي مجموعة تضم مواقع تاريخية مثل تيا خوانا وباتشاكيرو-لاغونياس. وقد بدأ إنتاج النفط في بعض هذه الحقول منذ عشرينيات القرن الماضي، وما يزال لديها المزيد لتقدمه. تعاني البنية التحتية من تهالك شديد، لكن إجراء إصلاحات أساسية سيساهم بشكل كبير في زيادة الإنتاج.
تكلفة الانطلاقة الأولية ضئيلة
يحتاج هذا القطاع إلى بضعة مليارات من الدولارات للإنفاق التشغيلي، وليس إلى نفقات رأسمالية ضخمة. وقد أعلنت الولايات المتحدة أنها سترفع العقوبات “للسماح باستيراد معدات وقطع غيار وخدمات مختارة لحقول النفط”.
كما يحوي حوض موناغاس على كثير من حقول النفط المهمة؛ وعلى رأسها حقل إل فوريال، الذي اكتُشف قبل أربعة عقود وكان مصدراً رئيسياً للدخل في البلاد. كما هو الحال في ماراكايبو، فإن الحقول الشرقية في أمس الحاجة إلى الإصلاح.
يقدر كارلوس بيلورين، محلل النفط الفنزويلي في شركة ”ويليجنس إنرجي أناليتكس“، أن إنتاج حقلي ماراكايبو وموناغاس النفطيين، المصنفين ضمن أفضل 25 حقلاً نفطياً، قد انخفض بأكثر من مليون برميل خلال عقد. ويقول إن إنتاجهما اليوم “يقدر بنحو 450 ألف برميل يومياً، ما يبرز حجم الإمكانات الكامنة للنمو”. يتفق معه في ذلك خبراء محليون آخرون، وإن كانت لكل منهم تقديراته الخاصة.
هل ستلعب الشركات الأمريكية دوراً بارزاً؟
يعتمد ذلك على الشركات المقصودة. فبالنسبة لشركات خدمات النفط الكبرى، مثل ”هاليبيرتون“ و“بيكر هيوز“ و“إس إل بي“ و“ويذرفورد إنترناشونال“ فإنها تعد من أبرزها.
الإجابة هي نعم. بعد أيام من القبض على مادورو، وصف رئيس شركة ”ويذرفورد“، المتخصصة في حفر الآبار، فنزويلا بأنها “فرصة هائلة” و”التطور الأكثر إثارة للاهتمام” في قطاع النفط منذ فترة طويلة.
ستتواجد شركة ”شيفرون“ هناك، إذ لديها بالفعل حصة في حقلين في حوض ماراكايبو. أما منافسوها من شركات النفط الأمريكية الكبرى؟ فلا يُرجح وجودهم في البداية. لكن فنزويلا ليست حكراً على الشركات الأمريكية. يُتوقع أن نرى الشركات الأوروبية الموجودة في البلاد، مثل ”إيني“ الإيطالية و“ريبسول“ الإسبانية، و“موريل إيه بروم“ الفرنسية، تحاول الاستفادة من الوضع.
بعد ضخ كميات النفط الأولية، سيصبح رفع الإنتاج أصعب.
أحد أهم المعوقات هو توفر الكهرباء اللازمة لتشغيل المضخات والمعدات الأخرى. ويعد نقص الكهرباء حاداً بشكل خاص في حوض ماراكايبو. ولحل هذه المشكلة، ستكون هناك حاجة إلى استثمارات ضخمة، وهذا سيستغرق وقتاً.
يذكر أن جودة النفط في منطقتي ماراكايبو وموناغاس متفاوتة، فبعضه ثقيل، بينما معظمه من النوعين المتوسط والخفيف الأسهل تكريراً. وقد استهلكته مصافي التكرير الأمريكية لعقود، وستعاود شراءه لو أتيحت لها الفرصة.
يختلف حزام أورينوكو تماماً عن الأحواض التقليدية. فنفطه شديد اللزوجة لدرجة أنه يشبه المربى، ويحتاج إلى تخفيفه بمواد بتروكيماوية كالنافتا ليسهل انسيابه. في تسعينيات القرن الماضي، كانت المنطقة مركز جذب لصناعة النفط العالمية، حيث استقطبت شركات عملاقة مثل ”إكسون موبيل“ و“كونوكو فيليبس“ و“توتال إنيرجيز“. وقد غادرت معظم الشركات الأجنبية أو أجبرت على الخروج باستثناء ”شيفرون“.
حتى لو كانت شركات النفط الأمريكية مستعدة لإعادة الاستثمار هنا، فإن العقبات كبيرة جداً. إذ يتطلب الأمر استثمارات بمليارات الدولارات، ربما تصل إلى 10 مليارات دولار سنوياً. وتملك شيفرون حصة 30% في مشروعين من مشاريع أورينوكو، ومن المرجح أن تزيد استثماراتها إذا سمحت الظروف بذلك.
عادة ما يقع سوق السلع في خطأين عند تحليل الدول الغنية بالنفط الخارجة من الأزمات: التقليل من شأن قدرتها على استعادة بعض الإنتاج المفقود بسرعة، والمبالغة بشكل كبير في تقدير المكاسب طويلة الأجل.
شاهدت هذا السيناريو عدة مرات خلال ما يقارب 30 عاماً من تغطيتي لهذا القطاع، بما في ذلك العراق في 2003، وليبيا عام 2011، وإيران بين 2021 و2023. فنزويلا نفسها مثال على ذلك: فبعد أن انخفض إنتاج النفط إلى أدنى مستوى له خلال قرن ليبلغ 450 ألف برميل يومياً عام 2020، لم يتوقع كثيرون حجم انتعاشه. لكنه تضاعف خلال خمس سنوات. الآن، أتوقع أن تفاجئنا فنزويلا، بعد سقوط مادورو، إيجاباً على المدى القصير وسلباً على المدى الطويل.








