كشفت صحيفة “فاينانشيال تايمز” أن وزارة الخزانة الأمريكية نفذت تدخلًا تاريخيًا في سوق الصرف لدعم الين الياباني، في أول خطوة من نوعها منذ نحو ثلاثة عقود، وذلك من خلال تنسيق مباشر مع السلطات اليابانية لتنفيذ عمليات شراء مشتركة للعملة، في محاولة لتعزيز استقرار الين والحد من تقلباته.
ونقلت الصحيفة البريطانية عن مصادر مطلعة أن بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك نفذ هذه الخطوة غير المسبوقة عبر بيع اليورو وشراء الين نيابة عن وزارة الخزانة الأمريكية، في إطار تدخل منسق لدعم العملة اليابانية، مضيفة أن عمليات البيع تمت عبر بنكي “جولدمان ساكس” و”مورجان ستانلي”.
وكانت وزارة الخزانة قد أبلغت في وقت سابق عدة بنوك في “وول ستريت” أنها تدرس التدخل لدعم العملة اليابانية، التي سجلت في 23 يوليو أدنى مستوى لها مقابل الدولار منذ عام 1986.
وبينت الصحيفة أن بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك وبنك “جولدمان ساكس” امتنعا عن التعليق، فيما لم تستجب وزارة الخزانة الأمريكية و”مورجان ستانلي” على الفور لطلب التعليق.
وشهد الين الياباني ارتفاعًا خلال الجلسات الست الماضية، بينما تراجع الدولار بنحو 4 في المائة يوم الخميس، وسط تكهنات من المشاركين في السوق بأن الحكومة اليابانية قد تدخلت أيضًا لدعم العملة بعد ارتفاع أحجام التداول. وانخفض الدولار بنسبة 1.9 في المائة يوم الجمعة ليصل إلى 157.57 ين.
وقال محللون إن تدخل السلطات اليابانية يوم الخميس يُرجح أن يكون قد وصل إلى حوالي 8.45 تريليون ين (بما يعادل نحو 52.8 مليار دولار)، وذلك استنادًا إلى بيانات رسمية وتقديرات شركات تداول.
وتلفت الصحيفة البريطانية إلى أن تدخل وزارة الخزانة الأمريكية لدعم الين يعتبر الأول من نوعه منذ عام 1998، حين قامت بشراء العملة لتعزيز الاقتصاد الياباني بعد أن انخفض الين إلى أدنى مستوياته في ثماني سنوات.
وكانت الولايات المتحدة قد تدخلت في العملة اليابانية عام 2011 لخفض قيمتها في إطار جهد دولي منسق لمنع ارتفاع خطير في قيمة العملة بعد زلزال وتسونامي توهوكو.
ونشر وزير الخزانة الأمريكي، سكوت بيسنت، على منصة “إكس” قائلًا إنه يتطلع إلى “لقاء صديقي القديم، محافظ بنك اليابان كازو أويدا” في اجتماع وزراء مالية مجموعة العشرين في ولاية كارولاينا الشمالية في أغسطس. وأضاف أن البلدين “لا يزالان يتمتعان بعلاقة قوية وتنسيق وثيق”.
وجاءت هذه التحركات بعد أن أبقى “بنك اليابان” المركزي أسعار الفائدة عند 1 في المائة أمس الجمعة، كما كان متوقعًا على نطاق واسع من قبل المشاركين في السوق.
وقال محافظ البنك أويدا إنه سيضمن ألا “يتخلف البنك المركزي عن الركب”، وألمح إلى أنه قد يُسرِّع من وتيرة رفع أسعار الفائدة، وهو أمر يراقبه متداولو العملات الأجنبية عن كثب.
وقال أويدا: “نظرًا لأن التضخم الأساسي يقترب من هدفنا المتمثل في استقرار الأسعار عند 2%، نعتقد أن هناك حاجة أكبر من ذي قبل إلى الاهتمام على نحو أكبر بمخاطر ارتفاع التضخم”. وأضاف: “مع أخذ هذا التقييم في الاعتبار، نعتزم مناقشة هذه القضايا بعناية في اجتماعات السياسة النقدية المقبلة”.
ويتوقع متداولون في أسواق المشتقات احتمالًا بنسبة 40% تقريبًا بأن يرفع “بنك اليابان” سعر الفائدة بمقدار ربع نقطة مئوية في سبتمبر، ارتفاعًا من 30% في وقت سابق من الأسبوع.
وتشير “فاينانشيال تايمز” إلى أن أويدا تعرض لانتقادات من المستثمرين لتأخره في رفع أسعار الفائدة، فيما حذر البعض من أن “بنك اليابان” يخاطر بفقدان مصداقيته في الأسواق المالية ما لم يُسرِّع من وتيرة رفعها.
وذكرت أن بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك أجرى ما يعرف بـ”مراجعة سعر صرف الدولار مقابل الين” نيابةً عن وزارة الخزانة الأمريكية، حسب مصادر مطلعة. ويعتبر طلب سعر الصرف الحالي من البنوك المتعاملة بالعملات عادة تمهيدًا لعمليات شراء العملات الأجنبية المباشرة. وقد اتخذ بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك خطوة مماثلة في يناير.
وأدت مخاوف المستثمرين حيال ارتفاع أسعار النفط ومدى قدرة رئيسة الوزراء اليابانية، ساناي تاكايتشي، على تمويل خطط التحفيز المالي، إلى دفع الين أخيرًا إلى أدنى مستوياته في 40 عامًا، ليقترب من 164 ينًا مقابل الدولار. وعقب انتهاء المؤتمر الصحفي، الذي عقده أويدا يوم الجمعة، ارتفع الين بشكل حاد إلى أقل من 159 ينًا مقابل الدولار الأمريكي، ما أثار تكهنات بتدخل وزارة المالية في الأسواق.
وقال أحد المصرفيين المتخصصين في سوق الصرف الأجنبي: “يبدو الأمر وكأنه تدخل آخر، لكن على نطاق أضيق. وكما رأينا في حالات سابقة، فإنهم يتدخلون أكثر من مرة”.
ويُعدّ هذا التدخل هو الأول منذ سلسلة من الإجراءات التي اتخذتها الحكومة في أبريل ومايو، والتي تضمنت إنفاق 11.7 تريليون ين لدعم العملة.
وهذه المرة، وبسبب التنسيق الواضح مع الولايات المتحدة، قال بعض المحللين إن المكاسب لديها فرصة أفضل للاستمرار، على الأقل على المدى القصير.
وقال نائب وزير المالية الياباني للشؤون الدولية، أتسوشي ميمورا: “نحن ندرك أننا نتلقى دعمًا من السلطات الأمريكية يتجاوز مجرد الدعم المعنوي. لقد كنا على اتصال دائم معهم”.
من جانبه، رجح خبير استراتيجيات صرف العملات الأجنبية في سيتي غروب بطوكيو، أوسامو تاكاشيما، عدم انخفاض الين الياباني مجددًا إلى مستوى 164 ينًا للدولار “في المدى القريب جدًا”، نظرًا لاستعداد الولايات المتحدة على ما يبدو لمساعدة اليابان في الدفاع عن عملتها.
وأكد تاكاشيما أنه في ضوء الحذر الذي يحيط بالسوق حيال أي تدخل إضافي، فمن المرجح أن “يكون ارتفاع سعر صرف الدولار مقابل الين محدودًا في الوقت الراهن”.








