عندما يسمع البعض مصطلح “المسؤولية الممتدة للمنتج” (Extended Producer Responsibility)، يتبادر إلى الذهن أنه مجرد رسم جديد أو عبء إضافي على المصانع والشركات. لكن الحقيقة مختلفة تمامًا. فهذه الآلية ليست أداة لتحصيل الأموال، بل نموذج اقتصادي يعيد توزيع مسؤولية إدارة المخلفات بين الدولة والقطاع الخاص، ويحول المخلفات من تكلفة إلى مورد، ومن عبء بيئي إلى فرصة استثمارية.
لطالما تحملت الحكومات العبء الأكبر في جمع المخلفات ونقلها والتخلص منها، بينما كانت المنتجات تنتهي رحلتها بمجرد مغادرتها أرفف المتاجر. أما اليوم، فقد تغيرت المعادلة عالميًا. فالمنتج لم يعد مسؤولًا فقط عن جودة ما يبيعه، بل أيضًا عن الأثر البيئي الذي يتركه بعد انتهاء عمر المنتج أو العبوة. وهذا التحول لم يعد خيارًا بيئيًا فحسب، بل أصبح أحد معايير تنافسية الاقتصادات الحديثة.
وفي هذا السياق، بدأت مصر خطواتها العملية لتطبيق نظام المسؤولية الممتدة للمنتج، في إطار قانون تنظيم إدارة المخلفات، مع بدء التطبيق على الأكياس البلاستيكية أحادية الاستخدام، وإطلاق منصة إلكترونية لتسجيل المنتجين والمستوردين ومتابعة التزاماتهم. وتمثل هذه الخطوة بداية مسار متكامل من المتوقع أن يمتد تدريجيًا ليشمل منتجات أخرى في المستقبل القريب، وفي مقدمتها العبوات والزجاجات البلاستيكية، بما يتماشى مع أفضل الممارسات الدولية في بناء منظومة متكاملة للاقتصاد الدائري.
لكن القيمة الحقيقية لهذا النظام لا تكمن في كونه أداة تنظيمية، بل في كونه مصدرًا مستدامًا لتمويل الاقتصاد الدائري. ففي العديد من الدول، أصبحت مساهمات المنتجين تمول إنشاء مصانع إعادة التدوير، وتطوير مراكز الفرز، وتحسين أنظمة جمع المخلفات، ودعم الابتكار في تصميم المنتجات القابلة لإعادة الاستخدام أو إعادة التدوير.
وهنا يبرز سؤال مهم: هل ننظر إلى المسؤولية الممتدة للمنتج باعتبارها مجرد التزام قانوني، أم باعتبارها محركًا للاستثمار الأخضر؟
الإجابة ستحدد شكل السوق خلال السنوات المقبلة.
فإذا صُمم النظام بكفاءة، يمكن أن يخلق سوقًا جديدة بمليارات الجنيهات في مجالات إعادة التدوير، والخدمات اللوجستية، والصناعات المعتمدة على المواد المعاد تدويرها، والتكنولوجيا الرقمية لتتبع المخلفات، إلى جانب توفير آلاف فرص العمل، خاصة للشباب. كما أنه سيدفع الشركات إلى تطوير تصميم العبوات، وتقليل استخدام المواد الخام، وزيادة الاعتماد على المواد المعاد تدويرها، وهو ما يعزز تنافسية الصناعة المصرية في الأسواق المحلية والعالمية.
ولا يمكن إغفال أن نجاح هذا التوجه يرتبط أيضًا بالرؤية التي تتبناها الجهات المعنية بإدارة منظومة المخلفات. فمنذ تولي الأستاذ ياسر عبد الله رئاسة جهاز تنظيم إدارة المخلفات، برز توجه واضح نحو تعزيز الفكر الاستثماري في إدارة المخلفات، والنظر إليها باعتبارها موردًا اقتصاديًا يمكن تعظيم قيمته، وليس مجرد عبء بيئي. كما حرص الجهاز على توسيع مشاركة القطاع الخاص في تطوير المنظومة وصنع القرار، انطلاقًا من قناعة بأن نجاح الاقتصاد الدائري يعتمد على شراكة حقيقية بين الحكومة والقطاع الخاص، بما يضمن استدامة التمويل وتحفيز الابتكار والاستثمار.
ورغم أهمية هذه الخطوات، فإن نجاح التجربة المصرية لن يتوقف على إصدار اللوائح فقط، بل على بناء منظومة متكاملة تضم القطاع الخاص، والحكومة، والمجتمع المدني، والقطاع غير الرسمي، الذي يمثل ركيزة أساسية في منظومة جمع وفرز المخلفات في مصر. فدمج هذا القطاع وتطويره سيعزز كفاءة المنظومة، ويحافظ على الخبرات المتراكمة، ويحقق بعدًا اقتصاديًا واجتماعيًا في آن واحد.
وعلى صعيد آخر، فأن نجاح منظومة المسؤولية الممتدة للمنتج يتطلب شفافية كاملة في إدارة الموارد المالية الناتجة عنها، وربطها باستثمارات واضحة في البنية التحتية، ومصانع إعادة التدوير، ومراكز الفرز، حتى تتحول مساهمات المنتجين إلى قيمة مضافة يشعر بها المستثمر والمواطن على حد سواء.
إن العالم يتجه اليوم إلى اقتصاد يقيس نجاحه ليس فقط بحجم الإنتاج، وإنما بكفاءة استخدام الموارد وتقليل الفاقد. ومن يسبق في بناء منظومة فعالة للمسؤولية الممتدة للمنتج، سيحصد مزايا اقتصادية واستثمارية قبل غيره.
ولعل الفرصة الأكبر أمام مصر ليست في تطبيق هذا النظام فحسب، بل في توظيفه كأداة وطنية لجذب الاستثمارات الخضراء، وتعزيز تنافسية الصناعة المصرية، وتخفيف الضغط على الموازنة العامة، وتحويل المخلفات إلى مورد اقتصادي يخلق قيمة وفرص عمل واستثمارات جديدة.
فالاقتصادات الحديثة لم تعد تتعامل مع المخلفات باعتبارها نهاية دورة الإنتاج، بل باعتبارها بداية دورة اقتصادية جديدة.







