الاستراتيجية الوطنية للشباب والرياضة تضع الاتجاه الصحيح نظريًا
الاستراتيجية الوطنية للشباب والرياضة 2025 إلى 2032 من منظور استثمارى، علينا أن نتجاوز لغة الاحتفال بالإطلاق، وننتقل إلى السؤال الأكثر أهمية: ماذا تحقق على الأرض، وهل ما يتم تنفيذه يقترب فعلًا من تحويل الرياضة إلى صناعة اقتصادية؟
الاستراتيجية نفسها تضع هدفًا واضحًا، وهو تحسين حوكمة قطاعي الشباب والرياضة وتعزيز مساهمة الرياضة في الاقتصاد والتنمية المستدامة، كما تتحدث عن الشراكة مع القطاع الخاص، وإدارة الأصول، ورفع كفاءة المنشآت، واستغلالها اقتصاديًا.
لكن بين الاستراتيجية والتنفيذ توجد فجوة يجب أن نتحدث عنها بوضوح.
من “الاستثمار في الرياضة” إلى “الاستثمار من الرياضة”
هذه هى النقلة الفكرية الأهم.
الدولة تستطيع أن تنفق على الرياضة عشرات المليارات، لكن الإنفاق وحده لا يصنع صناعة رياضية.
الاستثمار الحقيقي يعني أن يتحول الإنفاق إلى أصل يولد قيمة وإيرادًا وفرص عمل وعائدًا مستدامًا.
وهنا يجب أن نسأل:
هل المنشأة الرياضية تحقق إيرادات تتناسب مع قيمة الأصل؟
هل النادي يمتلك نموذجًا تجاريًا واضحًا؟
هل قطاع الناشئين ينتج لاعبين يمكن أن يمثلوا أصولًا اقتصادية؟
هل البطولات التي تستضيفها مصر تحقق عائدًا سياحيًا وتجاريًا؟
هل الرعاية الرياضية تتحول إلى صناعة؟
وهل يستطيع المستثمر معرفة العائد المتوقع قبل أن يضع أمواله؟
هذه الأسئلة أهم من عدد المشروعات التي تم افتتاحها.
التنفيذ بدأ، ولكن الاختبار الحقيقي هو جودة التنفيذ
هناك بالفعل تحرك على الأرض.
في خطة 2025 إلى 2026، تم استهداف استكمال 185 مشروعًا في قطاع الشباب باستثمارات مقدرة بنحو 625 مليون جنيه، و175 مشروعًا رياضيًا باستثمارات مقترحة بنحو 627 مليون جنيه.
وفي أغسطس 2026، ناقشت الوزارة مع القطاع الخاص فرص الاستثمار في المدن الشبابية والرياضية، ومراكز الابتكار، والمعسكرات والمنشآت التابعة لها، مع طرح نماذج شراكة مختلفة لاستغلال هذه الأصول.
وهذا تطور إيجابي.
لكن المستثمر لا ينظر إلى عدد المشروعات، بل إلى:
العائد على الاستثمار، مدة استرداد رأس المال، المخاطر، آلية التعاقد، وضمانات الاستمرارية.
وهنا تحديدًا يجب أن تنتقل الوزارة من مجرد عرض الأصول على المستثمرين إلى إعداد منتجات استثمارية جاهزة.
خريطة استثمارية أم قائمة منشآت؟
الاستراتيجية تتحدث عن إعداد خريطة استثمارية للمنشآت القابلة للاستثمار، تتضمن الموقع والإمكانات والتكلفة والعوائد المتوقعة، إلى جانب منصة إلكترونية لعرض الفرص الاستثمارية.
هذه خطوة شديدة الأهمية.
لكن الخريطة الحقيقية لا ينبغي أن تقول للمستثمر:
“لدينا أرض وملعب ومنشأة”.
بل يجب أن تقول:
“لدينا أصل قيمته كذا، يحتاج إلى استثمار كذا، ويستهدف إيرادًا سنويًا كذا، ومعدل عائد متوقع كذا، وفترة تعاقد كذا، والمخاطر هي كذا.”
هنا فقط تتحول المنشأة من أصل حكومي إلى فرصة استثمارية قابلة للتقييم.
أكبر فرصة قد تكون في قطاع الناشئين
ربما تكون هذه النقطة هي الأقل حصولًا على الاهتمام مقارنة بحجم الفرصة.
مصر لديها قاعدة بشرية ضخمة من اللاعبين الناشئين، لكن المشكلة ليست في عدد اللاعبين، وإنما في تحويل الموهبة إلى قيمة رياضية واقتصادية.
يمكن إنشاء نموذج استثماري متكامل:
اكتشاف الموهبة – تطويرها – رعاية اللاعب – تأهيله – تسويقه – احترافه – تحقيق عائد، واللافت أن الدولة بدأت في فبراير 2026 مناقشة تأسيس صندوق استثمار لدعم المواهب الرياضية، بهدف توفير التمويل وتحقيق الاستدامة المالية ونماذج مبتكرة لدعم الأبطال، وهنا يجب أن يكون التفكير أوسع من مجرد تمويل اللاعب.
لماذا لا يكون هناك صندوق متخصص للاستثمار في المواهب يعمل بعقلية رأس المال المخاطر؟
يمول 100 موهبة مثلًا، يعلم أن عددًا محدودًا منها قد يصل إلى المستوى العالمي، لكن القيمة الاقتصادية للاعبين الناجحين يمكن أن تعوض تكلفة البرنامج بالكامل وتحقق عائدًا.
هذه هي عقلية الاستثمار، وليس مجرد الدعم.
الألعاب الفردية.. فرصة استثمارية وليست ملفًا اجتماعيًا
الألعاب الفردية يمكن أن تكون واحدة من أهم الفرص الاستثمارية في مصر.
البطل يمكن أن يتحول إلى:
علامة تجارية، سفير لشركة، محتوى إعلامي، أداة ترويج سياحي، وقوة ناعمة للدولة، لكن النموذج الحالي في كثير من الأحيان يبدأ بالرعاية بعد أن يصبح اللاعب بطلًا.
الاستثمار الذكي يبدأ قبل ذلك.
أي الاستثمار في الموهبة عندما تكون قيمتها منخفضة، ثم المشاركة في القيمة التي تصنعها عندما ترتفع.
وهذا يحتاج إلى عقود واضحة تحمي اللاعب، والمستثمر، والدولة.
المنشآت الرياضية.. أكبر أصل وأكبر اختبار
هناك خطأ شائع في إدارة الأصول الرياضية:
بناء المنشأة ثم البحث عن كيفية تشغيلها.
الأصح هو العكس:
دراسة نموذج التشغيل أولًا، ثم تحديد شكل الاستثمار والبناء.
الملعب لا يجب أن يعمل يوم المباراة فقط.
يمكن أن يحقق إيرادات من:
الأكاديميات، البطولات، التأجير، الرعاية، المطاعم، المتاجر، اللياقة البدنية، الفعاليات، المدارس، الشركات، المحتوى، والإعلانات.
والاستراتيجية نفسها تطرح نماذج مثل PPP وBOT وحق الانتفاع، إضافة إلى قياس العائد الاجتماعي والاقتصادي للشراكات.
لكن النجاح هنا يتوقف على الاحتراف الإداري.
لأن منح حق الانتفاع وحده ليس استثمارًا ناجحًا.
السؤال هو: هل تم اختيار المستثمر المناسب؟ وهل العقد يضمن أفضل عائد للدولة؟ وهل هناك مؤشرات أداء ومراجعة دورية؟
الرعاية الرياضية تحتاج إلى ثورة
الرعاية في مصر غالبًا ماتزال مرتبطة بالظهور على القميص أو اللوحات الإعلانية.
وهذا نموذج محدود.
الشركة يمكن أن تستثمر في:
رحلة اللاعب، المحتوى، البيانات، الجمهور، الأكاديمية، المسؤولية المجتمعية، المنتجات، التجارب الجماهيرية، والفعاليات.
وهناك بالفعل توجه لتطوير منظومة الرعاية والتسويق الرياضي من خلال شراكات مع القطاع الخاص، ومنها التحركات المعلنة خلال 2026 لدعم الأبطال والاتحادات وبرامج الرعاية والتسويق.
لكن المطلوب هو الانتقال من:
“ادفع مقابل وضع شعارك”
إلى:
“استثمر في أصل رياضي له جمهور وبيانات وقصة وعائد تسويقي يمكن قياسه”
المشكلة الأكبر: كيف نقيس النجاح؟
هذه في رأيي هي النقطة التي يجب أن تكون محور النقاش.
إذا أردنا أن نعرف هل الاستراتيجية نجحت، فلا يكفي أن نقول:
عدد المنشآت زاد.
عدد البطولات زاد.
عدد اللاعبين زاد.
يجب أن نعرف:
• كم مليار جنيه دخلت كاستثمارات خاصة؟
• كم وظيفة خلقتها الرياضة؟
• كم زادت إيرادات المنشآت؟
• كم أصبحت قيمة حقوق الرعاية؟
• كم بلغت عوائد البطولات؟
• كم لاعبًا تحول إلى محترف؟
• كم بلغت قيمة انتقالات اللاعبين؟
• كم حققت السياحة الرياضية؟
• ما العائد على كل جنيه تم إنفاقه؟
• وما حجم مساهمة الرياضة في الاقتصاد المصري؟
بدون هذه الأرقام، يصبح تقييم الاستراتيجية قائمًا على النشاط وليس على النتائج.
الخطر الذي يجب ألا نقع فيه
أخشى أن نخلط بين زيادة النشاط الرياضي وزيادة الاقتصاد الرياضي.
قد نستضيف بطولات أكثر، ونبني منشآت أكثر، وننظم فعاليات أكثر، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أننا صنعنا صناعة رياضية.
الصناعة تحتاج إلى شركات قوية، واستثمارات، وحقوق ملكية، وإيرادات، ووظائف، وتكنولوجيا، وتصدير، وعائد مالي.
والهدف النهائي يجب ألا يكون:
“كم أنفقنا على الرياضة؟”
بل:
“كم أصبحت الرياضة قادرة على إنتاجه؟”
الخلاصة الاستثمارية
الاستراتيجية الوطنية للشباب والرياضة تضع الاتجاه الصحيح نظريًا، والتنفيذ بدأ بالفعل في ملفات الاستثمار في المنشآت، والشراكة مع القطاع الخاص، وإدارة الأصول، وتمويل المواهب.
لكن التحدي القادم أكبر بكثير.
نحن لا نحتاج فقط إلى استثمارات أكثر، بل إلى استثمارات أذكى.
ولا نحتاج فقط إلى مستثمرين، بل إلى منتجات استثمارية رياضية قابلة للقياس.
ولا نحتاج فقط إلى منشآت جديدة، بل إلى إدارة اقتصادية للمنشآت الموجودة.
ولا نحتاج فقط إلى دعم اللاعبين، بل إلى صناعة قيمة اقتصادية من المواهب.
والسؤال الأهم الذي أعتقد أنه يجب أن يكون عنوان المرحلة المقبلة:
هل تستطيع مصر أن تجعل الرياضة قطاعًا يجذب رأس المال، بدل أن يظل رأس المال هو الذي ينقذ الرياضة؟
إذا كانت الإجابة نعم، فلدينا فرصة لبناء صناعة رياضية مصرية حقيقية.
أما إذا ظل معيار النجاح هو حجم الإنفاق وعدد المشروعات والبطولات، فقد ننجح في توسيع الرياضة، دون أن ننجح في بناء اقتصاد الرياضة.
وهنا تحديدًا يبدأ النقاش الحقيقي.









