لن نبالغ إذا قلنا إن كثيرًا من خطابات جذب الاستثمار الأجنبي في منطقتنا مازالت تدور حول نفس العبارات: حوافز، إعفاءات، موقع جغرافي، سوق كبير، رخصة ذهبية. المشكلة أن المستثمر لا يشتري “عبارات”، بل يشتري قدرة دولة: هل ستُنجز له مشروعه بالسرعة المطلوبة؟ هل سيجد جهة واحدة مسئولة يتعامل معها؟ هل سيجد قطاعًا جاهزًا بعمالة وموردين وقواعد واضحة لتوطين استثماره والتوسع فيه؟ وهل ستقف معه الدولة بعد أن يبدأ، أم تتركه وحده وسط التعقيدات؟
هناك تجارب عالمية ناجحة تؤكد أن الاستثمار الأجنبي لم يعد ملفًا بروتوكوليًا، بل منظومة تشغيل متكاملة فالدول الأكثر نجاحًا لا ترفع لافتة تقول “تعال استثمر عندنا”، بل تقول للمستثمر:
“تعال في هذا القطاع بالذات… لأن كل شيء فيه جاهز”.
ماذا يعني “جاهز”؟
يعني فريق قطاعي محترف يستطيع في أول لقاء أن يقدّم:
• أماكن جاهزة للمشروع في القطاع المحدد وخيارات بديلة
• خريطة موردين وشركاء محليين
• مسار إجراءات معروف بزمن محدد
• إجابة دقيقة عن احتياجات العمالة والتدريب
• وقصص نجاح واقعية في نفس القطاع
هذه ليست تفاصيل ثانوية؛ هذه هي لحظة القرار، المستثمر عندما يسمع إجابات عامة، يعرف أنه سيدخل متاهة، وعندما يجد فريقًا “يتكلم لغة القطاع”، ويضع أمامه طريقًا واضحًا، تزيد فرص التنفيذ.
هناك دول ليست ضخمة، لكنها تفوقت لأنها طبقت قاعدة ذهبية: التركيز أفضل من التشتت.
بدل أن تفتح عشرات القطاعات وتعد المستثمر بكل شيء، تختار عددًا قليلًا من المجالات التي تمتلك فيها فرصة تنافسية، ثم تتحرك بسرعة كأنها شركة “مبيعات محترفة”:
• هدف واضح
• قائمة شركات مستهدفة
• محتوى جاهز يجيب عن أسئلة المستثمر
• وخدمات تأسيس سريعة
وهنا يأتي الذكاء الاصطناعي كأداة عملية جدًا:
بدل أن يهدر الفريق وقتًا في آلاف الاتصالات، تستخدم الجهات أدوات تحليل لتحديد الشركات الأكثر احتمالًا للاستثمار، وترتيبها حسب الأولوية.
الفكرة بسيطة: المشكلة ليست قلة الشركات، المشكلة هي اختيار الشركة المناسبة في الوقت المناسب.
أفضل استثمار جديد غالبًا يأتي من مستثمر موجود بالفعل—إذا اعتنيت به.
بعض الدول جعلت “خدمة ما بعد الاستثمار” قلب عملها:
تتابع المستثمر خطوة بخطوة، تحلّ مشاكله، تمنع تعطّل مشروعه، وتفتح له الطريق للتوسع، والأهم أنها لا تفعل ذلك بشكل عشوائي. بل تستخدم البيانات—وأحيانًا الذكاء الاصطناعي—لتحديد:
• من المستثمرين الحاليين أقرب للتوسع؟
• من لديه مؤشرات نمو؟
• من لديه مشكلة لو تُركت ستؤثر على قراره؟
بهذا الأسلوب تتحول aftercare من مكتب شكاوى إلى أداة لجذب توسعات. وهذا فرق ضخم في النتائج.
المشكلة في منطقتنا ليست نقص الحوافز بل ضعف التشغيل
لنكن صرحاء: كثير من الدول تقدم حوافز لا بأس بها، لكن المستثمر ينفر لأسباب واضحة:
• غموض الإجراءات وتعدد الجهات
• غياب مسئول واضح “يمسك الملف”
• بطء الردود وتناقض المعلومات
• وغياب المتابعة بعد بدء المشروع
ثم نستغرب لماذا لا تتحول الزيارات والوفود والوعود إلى مصانع ووظائف.
خاتمة: من يريد الاستثمار… عليه أن يشتري الوقت
الاستثمار الأجنبي ليس مسابقة “من يعلن أكثر”، بل منافسة “من ينجز أسرع”، الدول التي تفوقت فهمت أن المستثمر يكره ثلاثة أشياء: الغموض، البطء، وتعدد الجهات، لذلك نظمت نفسها قطاعيًا، وأدارت المستثمر كعميل مهم، واستخدمت البيانات والذكاء الاصطناعي لتوجيه الجهد إلى الفرص الأعلى احتمالًا.
والرسالة الأوضح لصانع القرار: إذا أردت استثمارًا أجنبيًا منتجًا، فلا تبدأ بحملة ترويج جديدة، ابدأ بتغيير طريقة العمل من الداخل.








